هذه الآية الكريمة محتفة بما يمنع من دلالتها على رؤية الله -تعالى-، ويمكن بيان ذلك بتقرير ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن النظر في الآية بمعنى التوجّه وليس بمعنى الرؤية
ويمكن بيان ذلك بتقرير ثلاث نكات:
النكتة الأولى: "النظر" تارة يتعدى بنفسه إلى المفعول به، وأخرى يتعدى بحرف الجر "إلى"، فإن تعدّى بنفسه كان بمعنى الانتظار، قال -تعالى- " هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ"[1]، أي هل ينتظرون إلا هذا الشيء.
وإن تعدّى بحرف الجر "إلى" دل على معنى التوجّه نحو الشيء، تقول العرب "نظرت إلى الهلال، فلم أره"، أي توجهت نحوه، وتقول "أنا ناظر إلى فلان ما يصنع بي"، أي مترقب ما يصنع بي، فليس النظر بمعنى الرؤية، نعم، معناه التوجّه الملازم للرؤية عادةً.
قال أبو هلال العسكري "الفرق بين النظر والرؤية أن النظر طلب الهدي، والشاهد قولهم "نظرت فلم أر شيئا"، وقال علي بن عيسى: النظر طلب ظهور الشيء، والناظر الطالب لظهور الشيء، ...، ويكون الناظر الطالب لظهور الشيء بإدراكه من جهة حاسة بصره أو غيرها من حواسه، ...، والنظر بالقلب من جهة التفكر، ...، ولا يوصف القديم بالنظر لأن النظر لا يكون إلا مع فقد العلم، ومعلوم أنه لا يصلح النظر في الشيء ليعلم إلا وهو مجهول، ...، وأخرى فإنه لو طلب جماعة الهلال ليَعلم من رآه منهم ممن لم يره مع أنهم جميعا ناظرون، فصح بهذا أن النظر تقليب العين حيال مكان المرئي طلبا لرؤيته، والرؤية هي إدراك المرئي، ولمّا كان الله -تعالى- يرى الأشياء من حيث لا يطلب رؤيتها صح أنه لا يوصف بالنظر"[2].
النكتة الثانية: لم يُسند النظر في الآية الكريمة إلى العين، وإنما أسند إلى الوجوه، والوجوه بما هي وجوه -أي لا بما هي متضمنة للعيون- = لا يصح أن يسند إليها النظر بمعنى الرؤية، بل المناسب أن يكون النظر بمعنى التوجه.
النكتة الثالثة: إن سياق الآية الكريمة مبني على مقابلة آيتين بآيتين، فقد قال -تعالى- "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ"[3]، ولا يخفى أن المراد بقوله -تعالى- "تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ" هو ترقب وقوع العذاب، بمعنى أنها تظن وتترقب أن يُفعل بها فعلةً فاقرةً، أي مُهلكة.
فبعد أن كانت هذه الآية في مقابلة قوله -تعالى- "إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" = ناسب حمل النظر في الآية على معنى الترقب بقرينة السياق والمقابلة، فالوجوه الناضرة تتوجه نحو الله -تعالى- راجية وقوع الخير بها في مقابل ظن الوجوه الباسرة بالهلاك الذي سيصيبها.
الأمر الثاني: قابلية الآية للحمل على الكناية
الكناية على ما قرّره علماء البيان هي ذكر الملزوم وإرادة اللازم، ومثال ذلك قولهم للكريم "كثير الرماد"، والوجه في ذلك أن شأن الكريم أن يُكثر من الضيافة، والضيافة تقتضي إيقاد النار لتهيئة الطعام، والإيقاد مستلزم لكثرة الرماد، فيُقال "فلان كثير الرماد" كناية عن كرمه.
بعد الالتفات إلى هذا الأصل يحسن الالتفات إلى وجود مناسبة خاصة بين النظر إلى الشيء بمعنى التوجه إليه وبين انتظار أثر هذا المنظور إليه، فالشخص الذي ينتظر نزول المطر الذي هو أثر السماء، ينظر ويتوجه ويمد عنقه نحو السماء.
فإذا تبيّن هذا كان من الإمكان بمكان أن يكون قوله -تعالى- "إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" كناية عن انتظار رحمة الرب، فأُسند النظر في الآية إلى الوجه وتعلّق النظر بالله -تعالى- ليُراد بذلك لازم هذا المعنى، وهو انتظار رحمة الرب المقابل لترقّب الوجوه الباسرة لوقوع الفعلة الفاقرة بهم.
الأمر الثالث: قيام القرينة على عدم إمكان رؤية ذات الله
قال -تعالى- "لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[4]، وهذه الآية على ما بيّنّاه في موضع آخر نص في امتناع رؤية الله -تعالى-[معنى قوله: لا تدركه الأبصار] ، فهي تبيّن أن جنس الأبصار لا تلحق ذات الله مطلقا، وهذا نص في نفي الرؤية.
فإذا تبيّنت هذه الأمور الثلاثة تبيّن الوجه في حمل الآية على الكناية، فبمقتضى الأمر الأول تبيّن معنى النظر بدقّة، وأنه التوجّه الذي يستلزم الرؤية عادة، وليس هو الرؤية، وبمقتضى الأمر الثاني تبيّن أن الآية صالحة للحمل على الكناية، وتبيّن بالأمر الثالث أنه لا مجال للحمل على معنى النظر المستلزم للرؤية، فبانضمام هذه الأمور الثلاثة يتبيّن أن قوله -عز من قائل- "إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" كناية عن انتظار رحمة الله -تعالى-، فالآية تدل بمعناها على التوجّه إلى ذات الله، والمراد من ذلك لازم هذا المعنى، وهو انتظار رحمة الله -تعالى-، وهذا المعنى مقابل لقوله -تعالى- "تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ" بالمعنى الدقيق للمقابلة، فظهر بذلك حُسن الكناية وفخامة المعنى في المقام.
----------
[1] البقرة:210.
[2] أبو هلال العسكري، الفروق، الفرق بين النظر والرؤية.
[3] القيامة:22-25.
[4] الأنعام:103.