هذه الآية الكريمة من الآيات الصريحة المحكمة الدالة على نفي رؤية الله -تعالى- مطلقا، وبيان ذلك ضمن نقطتين:
النقطة الأولى:
الدرك هو اللحوق، قال -تعالى- "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ"[1].
وقد ذكر ذلك اللغويون، قال الخليل بن أحمد الفراهيدي "والدَّرَكُ: اللحق من التبعة، والدِّراك: إتباع الشيء بعضه على بعض في كل شيء، يطعنه طعنا دراكا متداركاً، أي: تباعاً واحداً إثر واحد، وكذلك في جري الفرس، ولحاقه الوحش قال الله -تعالى- "حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً" أي: تداركوا، أدرك آخرهم أولهم فاجتمعوا فيها"[2].
وقال ابن فارس "(دَرَكَ) الدالُ والراء والكاف أصلٌ واحد، وهو لُحُوقُ الشيء بالشيء ووُصُولُه إليه، يُقَالُ: أَدْرَكْتُ الشيء أُدْرِكُهُ إِدْرَاكًا"[3].
وقال الجوهري في الصحاح: "الْإِدْرَاكُ: اللُحوقُ، يقال: مشَيت حتى أَدْرَكْتُهُ، وعِشت حتى أَدْرَكْتُ زمانه، وأَدْرَكْتُهُ ببصري، أي رأيته"[4].
وما وقع في كلمات بعضهم من أن الدرك بمعنى الإحاطة لا شاهد عليه في استعمالات العرب، بل لم يظهر لنا سبب لذلك إلا لأجل الفرار من حمل الآية الكريمة على نفي رؤية الله -تعالى-.
النقطة الثانية:
النفي والإثبات في الآية مطلقان مستمرّان أبدا، وعامّان يشملان كل ذي بصر، ولا يعقل التخصيص في المقام، وذلك لقرائن:
الأولى: أن النفي والإثبات جاءا بصيغة المضارع، فقال -تعالى- "لا تدركه"، وقال -عز وجل- "وهو يدرك"، وفي هذا دلالة على استمرار النفي والإثبات.
الثانية: ذُيّلت الآية بوصف مطلق يبرر الجملتين المتقدمتين[5]، فوُصِف -تبارك وتعالى- باللطيف، تبريرا لكونه -تعالى- لا تدركه الأبصار؛ لأن الظاهر من معنى اللطيف هو الخفي، كما هو واضح من قوله -تعالى- "فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا"[6]، ووُصِفَ بالخبير تبريرا لكونه يدرك الأبصار، وفي هذا دلالة على ثبوت صفتي اللطيف والخبير ثبوتا مطلقا، فيثبت المبرَّر بهاتين الصفتين -وهو نفي إدراك الأبصار للطيف، وإثبات إدراك الأبصار من قبل الخبير- ثبوتا مطلقا لا ينتفي بحال، وإلا انتفى الوصفان عنه -تبارك وتعالى-! وهو لا يكون.
الثالثة: أن الآية جاءت في سياق التمدح والتعظيم، ولا يُعقل التخصيص والتقييد في موارد التمدح والتعظيم لله -تعالى-، ولذا لا نعقل ارتفاع هذا المدح يوم القيامة وتجويز رؤيته -سبحانه وتعالى-.
الرابعة: أن الإدراك قد أُسنِد الى لفظٍ مجموع، وهو "الأبصار"، وهذا فيه دلالة على عموم الأبصار سواء أكانت في الدنيا أم الآخرة.
النتيجة:
يُتبين من النقطة الأولى دلالة الآية على نفي لحوق الإبصار بالله -تعالى- وتعلقها به، ونفي لحوق الأبصار مساوق لنفي رؤيتها لله -تعالى-.
ويتبيّن من النقطة الثانية عموم نفي الرؤية عن كل ذي بصر، وفي كل وقت؛ لأنه -تعالى- لطيف لذاته، ولا معنى لتخصيص ذلك بالدنيا كما زعم بعضهم.
فالآية نص قاطع في نفي الرؤية، وهو حاكم على جميع النصوص التي قد يُفهم منها ثبوت الرؤية.
ويشهد على هذا الفهم ما رواه البخاري في صحيحه "عن مسروق، قال: قلت لعائشة -رضي الله عنها-: يا أمتاه هل رأى محمد -صلى الله عليه وسلم- ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت "لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ""[7]؛ فإن ورود هذا الخبر الصحيح عند القائلين بالرؤية منسوبا إلى عائشة مشتملا على الآية = دليلٌ على وضوح دلالة الآية على نفي الرؤية بحيث استندت عائشة إلى الآية لتكذيب من زعم أن الرسول -صلى الله عليه وآله- رأى ربه، وفي تعجب عائشة من المقالة دلالة على أن إثبات رؤية الله -تعالى- مناف للتنزيه بحيث يقشعر منه جلد المسلم في ذلك الزمان ولو لم يكن متبعا لأهل البيت -عليهم السلام-.
تنبيه:
تكلّف البعض -ممن يؤمن بإمكان الرؤية- بعضَ الوجوه لنفي دلالة الآية الكريمة على نفي الرؤية، ولا بأس بالتعرض لبعض الوجوه والجواب عنه:
فمن الوجوه: أن التمدح في الآية بنفي الرؤية إنما يتم لو كان الله -تعالى- من شأنه أن يُرى، غير أنه حجب الخلق عن رؤيته بقدرته، وأما إذا كانت رؤيته ممتنعة من رأس فلا معنى للتمدح المذكور، فصارت الآية بذلك دليلا على جواز رؤيته -سبحانه وتعالى-.[8]
الجواب: أن هذه مجرد دعوى، فالتمدح يصح مع استحالة المتمدح به، ألا ترى أن الله -تعالى- مدح نفسه بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم مع استحالة ذلك؟! والكلام في الآية كذلك؛ إذ يكفي التمدح بنفي الرؤية المساوق لانتفاء الجسمية عنه -تعالى- المساوقة للحاجة والفقر.
ومنها: أن نفي إدراك الأبصار في الآية من قبيل سلب العموم، لا عموم السلب، وسلب العموم يعني أن مجموع الأبصار لا تراه، وهو لا يمنع من أن تراه بعض الأبصار، أي أن المنفي هو رؤية جميع الأبصار له -تعالى-، وهذا مسلّم، لأن الذي يراه -سبحانه- بعض الأبصار فقط، أي أبصار المؤمنين يوم القيامة، وهو نظير قولك "ما آمن بالرسول كل الناس"، أي آمن به بعضهم فقط.[9]
الجواب: هذا الوجه في غاية السخافة والسقوط؛ فإن دخول النفي على الجمع المعرف بالألف واللام صريح في إفادة عموم السلب؛ إذ لا يشك عاقل في أن قولنا "لا يطيع زيد الكفار" دال على أن زيدا لا يطيع أي كافر، وليس المعنى أنه يطيع بعض الكفار ولا يطيع بعضا آخر منهم! ولو كان المراد سلب العموم لصح أن يكون المعنى أن زيدا يطيع أكثر الكفار عدا واحد أو اثنين!
ومنها: أن استدلال عائشة بالآية على نفي الرؤية في الحديث المتقدم لا يصح التمسك به، لأنه تقليد، ولا يجوز التقليد في الاستدلال.[10]
الجواب: أننا لم نتمسك باستدلال عائشة، وإنما جعلناه شاهدا وقرينة على أن الظاهر العرفي لدى المسلمين الأوائل -أبناء اللغة العربية- من هذه الآية الكريمة هو نفي الرؤية وإن لم يكونوا من أتباع أهل البيت -عليهم السلام-، خصوصا بعد ملاحظة تسليم الراوي بجواب عائشة وعدم النقض عليه بمثل ما نقض به بعض المفسرين في المقام.
ومنها: أن نفي إدراك الأبصار في الآية الكريمة لا يساوق نفي الرؤية مطلقا؛ لأن الرؤية تارة تكون مع إحاطة تامة بالمرئي، وأخرى تكون بدون إحاطة تامة بالمرئي، والإدراك يراد به الإحاطة بالشيء، فيكون نفي الإدراك دالا على نفي الأول فقط، وهذا مسلّم، فإنه لا يمكن إحاطة الرؤية بالله -تبارك وتعالى-، فالآية لا تنفي الوجه الثاني، وهو رؤية الله -تعالى- من دون إحاطة.[11]
الجواب: تقدم في النقطة الأولى من الاستدلال أن أصل الإدراك في اللغة هو اللحوق، وليس الإحاطة، ولحوق كل شيء بحسبه، فلحوق جيش فرعون بالنبي موسى -عليه السلام- وقومه يعني الوصول إليهم والقبض عليهم، ولحوق الولد بأبيه في الشرع يعني الحكم ببنوته له وترتيب أحكامها، ولحوقك بالغريق يعني التمكن من إنقاذه، وهكذا، وعلى هذا يكون لحوق البصر بالشيء بمعنى رؤيته لا أكثر من ذلك، فإذا نفت الآية لحوق البصر بالله دلت على نفي رؤية الله مطلقا، وهو المطلوب.
----------
[1] الشعراء:٦١.
[2] الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، مادة "لحق".
[3] أحمد بن زكريا بن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة "لحق".
[4] إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، مادة "لحق".
[5] أي جملة "لا تدركه الأبصار"، وجملة "وهو يدرك الأبصار".
[6] الكهف:19.
[7] محمد بن إسماعيل البخاري، المسند المختصر الصحيح، ح4212.
[8] فخر الدين الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج١٣ ص٩٦-٩٧.
[9] فخر الدين الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج١٣ ص٩٨.
[10] فخر الدين الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج١٣ ص١٠٠.
[11] فخر الدين الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ج١٣ ص١٠٠.