image
هل يستلزم القول بحدوث العالم زمانا سبق العالم بالزمان؟

المعروف بين المتكلمين هو القول بالحدوث الزماني للعالم، كيف يمكن القول بذلك والحال أن الحدوث الزماني يستلزم سبق العالم بالزمان، فيلزم قدم الزمان، فينتقض غرض المتكلم من إثبات حدوث ما سوى الله؟!

الجواب:

توضيح الفرق بين الحدوث الزماني والحدوث الذاتي

يحسن في البدء بيان الفرق بين الحدوث الزماني والحدوث الذاتي.

الحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقاً بالعدم حقيقةً وواقعاً في الخارج، أي لم يكن الشيء موجوداً في الخارِج ثُمّ وُجِد.

ويُلاحظ هنا أن العدم السابق للوجود منفك عن الوجود غير مقارن له؛ لأن الشيء كان معدوما ثم صار موجودا، ولما كان معدوما لم يكن يتصف بالوجود، ولما صار موجودا لم يتصف بالعدم.

فالحدوث الزماني هو مسبوقية الشيء بعدمه المنفك عنه (= العدم الفكّي = العدم الواقعي = العدم الزماني).

والحدوث الذّاتي: هو كون الشيء الموجود في مرتبة لحاظ علته = مسبوقا بالعدم الثابت للذات في مرتبة قصر النظر على ذاته، فالشيء الذي يوجد بسبب علة غيره يقبل لحاظين:

اللحاظ الأول: لحاظه في نفسه مع قطع النظر عما يُضاف إليه.

اللحاظ الثاني: لحاظه مع علته التي تبرر وجوده.

واللحاظ الأول يفي بسلب الوجود عن الذات؛ فإن الذات التي توجد بالعلة لا تستحق بنفسها الاتصاف بالوجود، فلا بد من علة تنضم إليها تبرر وجودها.

واللحاظ الثاني يفي بإثبات الوجود للذات؛ فإن الذات التي توجد بالعلة تستحق بعلتها الاتصاف بالوجود.

ونلاحظ أن اللحاظ الأول متقدم في المرتبة العقلية على اللحاظ الثاني؛ لأن شأن الشيء أن يُلحظ بذاته أولا، ثم يُلحظ منضما إليه غيره.

ونلاحظ أن اللحاظين يجتمعان حال وجود الشيء، فالشيء الموجود بعلته يمكن أن يُلحظ باللحاظ الأول ويمكن أن يُلحظ باللحاظ الثاني.

فبالالتفات إلى هذه النكات يتضح المراد بالحدوث الذاتي، فالشيء الموجود بعلته حادث ذاتا؛ لأنه بلحاظ ذاته غير موجود، وبلحاظ علته موجود، واللحاظ الأول سابق على الثاني، فالشيء الموجود بعلته مسبوق بانتفاء الوجود في مرتبة ذاته، فهو بهذا الاعتبار حادث، والوجود ونفي الوجود مقترنان زمانا مختلفان باللحاظ، فالحدوث الذاتي هو مسبوقية الشيء بعدمه المجامع (= العام الذاتي) لوجود ذاته لا المنفك عنه.

قال المحقق اللاهيجي "إنّ حقيقة الحدوث والقدم عند الحكماء هي مسبوقيّة الوجود بالعدم، كما هو المتبادر من لفظ الحدوث عرفاً، وعدم مسبوقيّته به، وكلّ منهما زمانيّ وذاتيّ.

فالحدوث الزّماني: هو مسبوقيّة وجود الممكن بعدمه المقابل له، وهو العدم الذي يحصل للممكن من عدم علّته التّامة، كما أنّ وجوده يحصل له من وجود علّته التّامة، ويقال له: العدم الواقعي.

وقد يقال له: العدم الزّماني أيضاً؛ لأنّ من شأنه أن يحصل في زمان، لا أنّه لا يكون إلا في زمان.

والقدم الزّماني: ما يقابله، أعني: عدم مسبوقيّة الوجود بالعدم المقابل له لا مطلقاً.

والحدوث الذّاتي: هو مسبوقيّة الوجود بالعدم غير المقابل للوجود، وهو العدم الذّاتي المجامع للوجود الحاصل للممكن من العلّة، وهو عبارة عن عدم اقتضاء الذّات للوجود.

وقد يقال له: لا استحقاقيّة الذّات للوجود عن ذاتها، وهو من لوازم الممكن.

والقدم الذّاتي: ما يقابله وهو مختصّ بالواجب الوجود لذاته"[1]

يُلاحظ مما تقدّم: أنّ تقدّم العدم على الوجود في الحدوث الزّماني هو تقدّم حقيقي في الواقع الخارِجي، بينما تقدّم العدم على الوجود في الحدوث الذّاتي هو تقدّم بلحاظ العقل والتّحليل الذّهني فقط وليس في الواقع الخارجي.

ولهذا نجد المتكلمين يحصرون الحدوث بالحدوث الزّماني فقط؛ قال المحقق اللاهيجي "وأمّا المتكلّمون، فلا يُطِلقون الحدوث إلاّ على مسبوقيّة الوجود بالعدم المقابل له، ولا يعتبرون العدم الذّاتي في الحدوث مطلقاً، ولا يُقسّمِون الحدوث إلى الذّاتيّ والزّمانيّ، بل يحصرونه في الزّمانيّ، سواء سبق العدم على الوجود بالزّمان أو بالذّات على اصطلاحهم"[2].

عدم ابتناء الحدوث الزماني على المسبوقية بالعدم في زمان

توهّم البعض أنّ مُراد المتكلمين من الحدوث الزّماني هو مسبوقيّة الشيء بالعدم الواقع في زمان، وهذا غير صحيح؛ فإنّ مُرادهم من الحدوث الزّماني هو ما تقدّم بيانه من كون الشيء مسبوقاً بالعدم الفكي الواقعي لا غير بحيث يكون للشيء ابتداء وجود، سواء كان مسبوقاً بزمانٍ أم لا، وهذا صريح كلام المحقق اللاهيجي -وهو من الفلاسفة المخالفين للمتكلمين- حيث قال "وقد يقال له: العدم الزّماني أيضاً؛ لأنّ من شأنه أن يحصل في زمان، لا أنّه لا يكون إلا في زمان".

وعلى هذا جرى المتكلمون، فقد صرح الشيخ المفيد في المسائل العكبرية بانفراد الباري -تبارك وتعالى- بالأزلية، وأنّ لما سواه بداية في وجوده، وأن العالم أُحدِثَ لا في زمان، قال "إن الله لم يزل واحدا لا شيء معه ولا ثاني له، وأنه ابتدأ ما أحدثه في غير زمان"[3].

ونقل العلامة المجلسي اتفاقَ أهل الملل على ذلك؛ قال "... فإن الذي ثبت بإجماع أهل الملل والنصوص المتواترة هو أن جميع ما سوى الحق -تعالى- أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهية وفي وجوده ابتداء، والأزلية وعدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب -سبحانه-، سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم أو دهر كما ستعرف إن شاء الله -تعالى-"[4].

وقال "وكان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلا إلى الدهرية والملاحدة والفلاسفة المنكرين لجميع الأديان، ولذا لم يورد الكليني -رحمه الله- وبعض المحدثين لذلك بابا مفردا في كتبهم، بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع -تعالى- اتكالا على أن بعد الإقرار بالحق -جل وعلا- لا مجال للقول بالقدم، لاتفاق أرباب الملل عليه"[5].

وقد أقر بنسبة هذا المعنى إلى الشرع بعض الفلاسفة، قال الشيخ محمد تقي الآملي -وهو من أكابر الفلاسفة المعاصرين- "المتكلمون يقولون بفصل العالم أعني ما سوى الله عن الله بزمان[6]، ويحملون الحديث الشريف "كان الله ولم يكن معه شيء" على أنه كان -تعالى- ولم يكن شيء من العالم، ثم أنشأ -تعالى- وجود العالم شيئا فشيئا تدريجا، …، فالعالم عندهم حادث بحدوث زماني متوهم أو موهوم، ويكون وجوده مسبوقاً بعدم واقعي فكي غير مجامع لوجوده واقع في ذاك الزمان المتوهم أو الموهوم، ومُرادهم من ...[7]، فإن جُوِّزَ ذلك فلتصوير الزمان الموهوم وجه، وإلا فلا بد لتصور مسبوقية وجود العالم عن عدمه الواقعي الفكي الغير المجامع لوجوده من مخلص آخر؛ إذ القول بحدوث العالم كذلك من ضروريات الدين، بل المتفق عليه بين أهل الملل والنحل، فلا ينبغي القناعة في المقام بالقول بحدوث العالم ذاتا بمعنى تأخره عن العدم المجامع مع وجوده كما عليه بعض الحكماء؛ لأنه مخالف مع قول المليين، فتدبر ودقق النظر؛ لأن المقام مزلة الأقدام"[8].

دلالة النصوص على الحدوث الزماني

وقد عرفت ضمن الكلام المتقدم الإشارة إلى إجماع الملل على حدوث العالم حدوثا زمانيا بالمعنى المتقدم، ولا بأس بالإشارة إلى دلالة نصوص الكتاب الكريم وأحاديث النبي -صلى الله عليه وآله- وأهل بيته -عليهم السلام- على ذلك.

لقد دلت صراحة على أن للخلق ابتداء، وعلى أنه -سبحانه وتعالى- هو المتفرد بالأزلية.

فمن الكتاب العزيز قوله -تعالى- "اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"[9]، وقوله -تعالى- "وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"[10]، وقوله -تعالى- "أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ"[11]، وقوله -تعالى- "قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا"[12]، وهذا ظاهر جدا في أن للخلق ابتداءً، وأن المخلوق لم يكن شيئا -لا أنه كان على هيئة أخرى-، ولا معنى لهذا لو لم يكن للعالم ابتداء بالمعنى المتقدم.

ومن السنة الشريفة أحاديث كثيرة متواترة تواتراً معنوياً، روى الكليني بسند صحيح "محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر -عليه السلام-، قال: سمعته يقول: كان الله ولا شيء غيره، ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه"[13].

وروى الصدوق بسند صحيح "محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن سليمان بن جعفر الجعفري، قال: قال الرضا -عليه السلام-: المشيّة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد"[14].

والأخبار في هذا كثيرة، والغرض الإشارة لا أكثر.

تقريب تقدم العدم الفكي على العالم من إثبات زمان

فإذا تبيّن المراد من الحدوث الزماني وتبيّنت صحة انتسابه إلى الملة الإسلامية -بل إلى جميع الملل- صَلُح المقام للنظر في أهم ما يُستشكل به على الحدوث الزماني للعالم بالمعنى المتقدم، وهو توهّم توقّف الحدوث الزماني على الزمان، ، فيُتوهّم أنه لا يعقل تقدّم العدم الفكّي على وجود العالم من دون التزام وجود زمان يكون ظرفا لهذا العدم الفكّي.

وقد أشار المحقق الكراجكي (ت449) إلى هذا الإشكال وأجاب عنه، قال "ولسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها؛ لأن هذا هو الحدوث والتجدد، وهو معنى الزمان والحركة.

فإن قال قائل: إنه لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد.

قيل له: ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحاً[15]؛ أليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلاء؟ وذلك غير متوهم[16].

… ثم يقال: أرأيتم لو قال لكم قائل: ليس يثبت في ذهني موجود ليس في جهة، فيجب أن يكون الباري -عز وجل- في جهة، أليس يمكن أن يقال: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، وأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم، فهكذا يكون جوابنا لكم.

ثم قال هذا المتكلم: فإن قالوا: فإذا لم يثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم: إنّ الباري -سبحانه- لم يتقدّم فعلَه.

قيل: بل نقول: إنه يتقدّم على معنى أن وجوده قارن عدمَ فعلِه، ثم قارنَ وجودَ فعلِه، وقولنا "ثم" يترتب على عدم الفعل لا غير"[17].

ويمكن تحرير الجواب بأن يُقال: إن العقل يتصوّر تقدُّماً وتأخُراً من غير الالتزام بوجود ظرف زماني للمتقدم والمتأخر؛ ألا ترى أنّ الزَّمان الحالي متأخِر عن الزَّمان السّابق مع أنّ ذلك لا يكون بظرفٍ زمانيّ؛ فإنه لو كان الجزء الزماني متقدما لكونه مظروفا في زمان لكان للزمان زمان، فيكون للزمان التالي زمان، وهكذا، فيلزم التسلسل، وإنه باطل.

فثبت أن التقدّم والتأخر الفكّيّين غير متوقّفين على المظروفية في زمان، وإذا ثبت ذلك لم يلزم من الحدوث الزماني للعالم المساوق لسبق العدم عليه سبقا غير مجامع = أن يكون العدم مظروفا في زمان، فلا إشكال ولا استبعاد.

وبهذا يتبيّن أنه لا مانع من الالتزام بالحدوث الزماني لما سوى الله -تعالى- وإن لم نلتزم بزمان سابق على العالم، فيمكن الالتزام بما دلت عليه النصوص القطعية والضرورة الدينية من حدوث ما سوى الله حدوثا حقيقيا مسبوقا بالعدم الحقيقي الفكي من دون أي تأويل أو تكلّف.

والحمد لله رب العالمين.

 


[1] عبد الرزاق اللاهيجي، شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام، ج1 ص383، المسألة السادسة والعشرون.

[2] عبد الرزاق اللاهيجي، شوارق الإلهام، ج1 ص386، المسألة السادسة والعشرون.

[3] محمد بن محمد بن النعمان، المسائل العكبرية، المسألة 17.

[4] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج54 ص238.

[5] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج54 ص234.

[6] كذا قال، وسيتبيّن من كلامه اللاحق التسامح في هذا الإطلاق.

[7] طرح تصويرين لسبق العدم على العالم وذكر بعض الإشكالات.

[8] محمد تقي الآملي، درر الفوائد، ج1 ص260-261.

[9] الروم: 11.

[10] الروم: .27

[11] العنكبوت: 19.

[12] مريم: 9.

[13] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، كتاب التوحيد باب صفات الذات ح2.

[14] محمد بن علي ابن بابويه القمي، التوحيد، باب المشيئة والإرادة ح5.

[15] أي ليس يجب إذا كان الامتداد الزماني ثابتا في الوهم أن يكون أمرا صحيحا.

[16] يريد بهذا أن الخصم -وهو الفيلسوف- يلتزم بأنه ليس وراء حدود العالم -فهو متناهي الأبعاد عندهم- امتداد مكاني، مع أننا لا نتصوّر حدودا للعالم من دون امتداد مكاني بعدها، فكذلك الأمر في سبق العالم من جهة الابتداء، فلا مانع من إثبات عدم سابق على العالم من دون أن يكون في امتداد زماني وإن كان تصوّر ذلك غير ميسور.

[17] محمد بن علي الكراكجي الطرابلسي، كنز الفوائد، ج1 ص46.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا