تمهيد
يجري على ألسنة أهل العلم والنظر إطلاق "الحجة" على بعض الأمور، واستيعاب مفاد هذا المصطلح وأبعاده يُسهِم بشكل كبير في فهم الشريعة واندفاع جملة من الشبهات عنها.
الأصل اللغوي للحجة
الحجة في معناها البسيط هي ما يُحتج به ويُتمسك به أمام الآخر، ففي مقام الإلزام يعتمد من يُريد إلزام غيره بشيء على حجة تفي بإثبات مطلوبه، فيحتج بها ويتمسّك بها أمام غيره لإثبات مطلوبه.
حقيقة الحجة في الإطار الشرعي
من هذا المعنى اللغوي البسيط طرحت جملة من الأفكار المتعلقة بالأدلة الشرعية، مثلا يُقال بأن القطع الناشئ من مناشئ موضوعية حجة أمام الله -تعالى-، ويُقال بأن تجاوز مفاد الأدلة الشرعية بلا مؤمّن حجة على العبد.
ولا بأس ببيان ذلك بالمثال: لنفترض عالماً بذل عمره وجهده في طلب العلم ومحاولة فهم الدّين، فدرس دراسة متقنة، ولم يقصّر في شيء، وبعد أن اطّلع على النصوص الشرعيّة وصل إلى نتيجة قاطعة بثبوت حكمٍ شرعي ما، إلا أنّه اتفقت مخالفة هذه النّتيجة لحكم الله الواقعي، فقد اشتبه هذا العالم في مقام التوصّل إلى الحكم الشرعي من غير قصدٍ، وجرى على هذه النّتيجة، فعمل بخلاف الحكم الإلهي الحقيقي، فهل يُعاقب مثل هذا الشخص؟ أم يُعذر؟
نقول: لمّا كان الفهم الذي فهمه هذا العالم مبنياً على البحث الموضوعي وتوصّل إلى اليقين كان جريه على ذلك "حجّةً" له أمام ربه، فلو سُئل يوم القيامة عن فعله صح له الاحتجاج ببذله الجهد وأن الله -تعالى- لم يجعل في الدين من حرج، فيكون سلوكه العلمي حجّة له يوم القيامة.
وفي مقابل ذلك لو تجاوز أحدُهم دلالة آية مثبتة لحكم شرعي زاعما دلالتها على خلاف مُفادها من دون مبرر للخطأ والاشتباه كانت دلالة الآية على الحق حجة عليه يوم القيامة، ولم يكن له التفصّي عمّا أوقع نفسه فيه.
تصوير الحجة في الأدلة غير اليقينية
إذا اتّضح هذا نقول: في بعض الأحيان -لأي سببٍ كان- لا يمكننا القطع بأنّ هذا الحكم مطابق للواقع، بل أقصى ما يمكننا الوصول إليه هو الظّن بأنّ هذا الحكم هو حكم الله -تعالى-.
ولا ريب في أن الظن لا يُغني من الحق شيئا، ولكن قد يتم دليل قطعيّ يُثبت لي أنّ الله أمرني أن أعمل بهذا الظنّ بالخصوص، ففي مثل هذه الحالة سيكون هذا الدليل القطعي حجّة لنا يوم القيامة في العمل بالظن وإن كان الظن غير مصيب للواقع، وسيكون هذا الدليل القطعي حجة علينا إن لم نعمل بمقتضى الظن وكان الظن مصيبا للواقع.
الخلاصة في مفهوم الحجية
وبهذا يتبيّن مفهوم "الحجية" بشكل إجمالي، فالحجة في الأصل هو الدليل الموضوعي الذي من شأنه أن يوصل إلى الحق؛ فإنه الذي يقبله الله من عبده، وهو الذي يحتج به الرب على عبده إن خالف مقتضاه.
وهذا المعنى للحجة قد يسري إلى بعض الأدلة غير المفيدة لليقين والعلم، وذلك بأن يقوم دليل قطعي على لزوم الجري على الدليل غير العلمي، فيكون الدليل غير العلمي حينئذ حجة للعبد وعليه.
البحث عن الأدلة غير العلمية في أصول الفقه
تصدّى العلماء لتحقيق حال الأدلة التي يمكن أن تكون حجة ولو لم تكن علمية في مباحث الحجج والأصول العملية من علم أصول الفقه، كما في البحث عن حجية أخبار الثقات ولو لم تفد اليقين، والبحث عن حجية ما يُفهم من الكلام وإن لم يكن الفهم يقينيا، والبحث عن حجية شهرة الفتوى بين العلماء ولو لم يُفد ذلك اليقين، وهكذا.
تأثير فهم فكرة الحجية لدفع بعض الشبهات
بعد أن اتضح مفهوم الحجية يتضح بإذن الله الجواب عن الكثير من الأسئلة والشبهات.
من ذلك ما يثار من أن الفقيه يحاول فرض رؤيته الخاصة وفهمه على غيره، وهو مع كونه غير معصوم لا يمكن القبول بكلامه.
ومنه ما يُثار من عدم إمكان الاعتماد على نصوص السنة الشريفة لاحتمال خطأ الثقات في نقلها من غير تعمّد ونحو ذلك.
فبعد أن تبيّن إمكان ثبوت الحجية لبعض الأدلة غير العلمية من خلال الأدلة القطعية أمكن تصحيح الأخذ بفتوى الفقيه وإن لم يكن معصوما، وأمكن تصحيح الأخذ بأخبار الثقات وإن لم تكن قطعية، ولم يكن في بقاء احتمال الخطأ والاشتباه ما ينافي الأخذ بهذه الأدلة غير العلمية إن قام الدليل القاطع على حجيّتها.
ما معنى الحجية؟