لا إشكال بين أصحابنا في جواز التقية عند خوف الضرر، وقد دل القرآن الكريم على ذلك.
قال -تعالى- ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾[1].
وقال -جل وعلا- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[2].
وذكر الأصحاب أن التقية لا تجوز إن أدت إلى فساد الدين وضياع الحق، ولهذا ذكروا أن التقية إنما تجوز على الإمام في حال لم ينحصر طريق معرفة الحق بالإمام -عليه السلام-، وأن الإمام لا يتقي إلا وقد بَيّن للشيعة ما به يعرفون التقية من غيرها.
قال الشيخ المفيد "وأقول إنها [= التقية] جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين، ولا فيما يعلم أو يغلب أنه استفساد في الدين"[3].
وقال السيد المرتضى "فأمّا قوله[4] "إذا جازت التقيّة للأئمّة وحالهم في العصمة ما تدّعون جازت على الرسول -صلى الله عليه وآله-" فالفرق بين الأمرين واضح؛ لأن الرسول -صلى اللّه عليه وآله- مبتدئ بالشرائع، ومفتتح لتعريف الأحكام التي لا تُعرف إلا من جهته وتبيانه، فلو جازت عليه التقية لأخل ذلك بإزاحة علة المكلفين، ولفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعية التي قد بيّنا أنها لا تُعرف إلا من جهته، والإمام بخلاف هذا الحكم؛ لأنّه منفِّذ للشرائع التي قد عُلمت من غير جهته، وليس يقف العلم بها والحق فيها على قوله دون غيره، فمن اتّقى في بعض الأحكام لسبب يوجب ذلك لم تُخلّ تقيته بمعرفة الحق وإمكان الوصول إليه، والإمام والرسول وإن استويا في العصمة فليس يجب أن يستويا في جواز التقية؛ للفرق الذي ذكرناه؛ لأن الإمام لم تجز التقية عليه لأجل العصمة، وليس للعصمة تأثير في جواز التقية ولا نفي جوازها.
فإن قيل: أليس من قولكم: إن الإمام حجّة في الشرائع؟ وقد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحق لا يُعرف إلا من جهته وبقوله بأن يُعرض الناقلون عن النقل، فلا يرد إلا من جهة من لا تقوم الحجة بقوله، وهذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرّقتم بينهما فيه.
قلنا: إذا كانت الحال في الإمام على ما صوّرتموه، وتعيّنت الحجّة في قوله، فإن التقية لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبي -صلى الله عليه وآله-"[5].
وهذا كما ترى ظاهر جدا في عدم جواز التقية فيما يؤول إلى إضاعة الدين والحجة بالحق، نعم، يقع السؤال عن كيفية التمييز بين الحق والتقية، وقد بيّن ذلك أعلام الطائفة.
قال السيد المرتضى "فإن قيل: مع تجويز التقية على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه واعتقاداته؟ وكيف يتخلص لنا ما يُفتي به على سبيل التقية من غيره؟
قلنا: [1] أول ما نقوله في ذلك أن الإمام لا يجوز أن يتقي فيما لا يُعلم إلا من جهته، ولا طريق إليه إلا من ناحية قوله، وإنما تجوز التقية عليه فيما قد بان بالحجج والبيّنات، ونُصبت عليه الدلالات، حتى لا تكون فتياه فيه مزيلة لطريق إصابة الحق ومُوقعة للشبهة.
[2] ثم لا يتقي في شيء إلا ويدل على خروجه منه مخرج التقيّة: إما بما يصاحب كلامه أو يتقدّمه أو يتأخر عنه، ومن اعتبر جميع ما رُوي عن أئمتنا -عليهم السلام- على سبيل التقية وجده لا يعرى مما ذكرناه.
[3] ثم إن التقية إنما تكون من العدو دون الولي، ومن المتهم دون الموثوق به، فما يصدر عنهم إلى أوليائهم وشيعتهم ونصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشك في أنّه على غير جهة التقيّة، وما يفتون به العدو أو يُمتحنون به في مجالس الخوف يجوز أن يكون على سبيل التقيّة كما يجوز أن يكون على غيرها"[6].
وبهذا الاعتبار علّم الأئمة -عليهم السلام- شيعتهم ما يمكنهم من خلاله الكشف عن التقية، فكان الأصحاب يميّزون بين التقية وغيرها، ويمكن الاستشهاد على ذلك ببعض الأخبار.
روى الشيخ بسند موثق بسنده إلى الحسين بن سعيد، "عن صفوان، عن ابن بكير، عن زرارة، عن حمران، قال: قال لي أبو عبد الله -عليه السلام-: إن في كتاب علي -عليه السلام-: إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال زرارة: قلت له: هذا ما لا يكون! اتقاك! عدو الله أقتدي به؟! قال حمران: كيف اتقاني وأنا لم أسأله؟! هو الذي ابتدأني وقال: في كتاب علي -عليه السلام-: إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، كيف يكون في هذا منه تقية؟! قال: قلت: قد اتقاك، وهذا ما لا يجوز، حتى قضي أنا اجتمعنا عند أبي عبد الله -عليه السلام-، فقال له حمران: أصلحك الله، حدثت هذا الحديث الذي حدثتني به أن في كتاب علي -عليه السلام-: إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، فقال: هذا لا يكون، عدو الله فاسق، لا ينبغي لنا أن نقتدي به ولا نصلي معه، فقال أبو عبد الله -عليه السلام-: في كتاب علي -عليه السلام-: إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين، قلت: فأكون قد صليت أربعا لنفسي لم أقتد به، فقال: نعم، قال: فسكت وسكت صاحبي ورضينا"[7].
وروى الكليني "علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير؛ ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن سلمة بن محرز، قال: قلت لأبي عبد الله –عليه السلام-: إن رجلا أرمانيا مات وأوصى إليّ، فقال لي: وما الأرماني؟ قلت: نبطي من أنباط الجبال، مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: أعطها النصف، قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، إنما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك الله إن أصحابنا زعموا أنك اتقيتني، فقال: لا والله ما اتقيتك، ولكن اتقيت عليك أن تضمن[8]، فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا، قال: فأعطها ما بقي"[9].
ولذلك كان الأصحاب يسعون للتأكد من عدم وجود من يُتقى منه، روى الكليني بسند صحيح "عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله الحجال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله -عليه السلام-، فقلت: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، هاهنا أحد يسمع كلامي؟
قال: فرفع أبو عبد الله -عليه السلام- سترا بينه وبين بيت آخر، فاطلع فيه، ثم قال: يا أبا محمد، سل عما بدا لك.
قال: قلت: جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- علّم عليا -عليه السلام- بابا يفتح له منه ألف باب..."[10].
فلاحظ كيف سأل أبو بصير عن وجود من يسمعه، فلما علم بعدم وجود أحد علم أن الإمام لا يتقي في جوابه، ويناسب ذلك أن السؤال عما يرتبط بعلم الإمام -عليه السلام-، وهو مما من شأنه أن يُتقى فيه.
وكان الأصحاب يدققون في كيفية جواب الإمام لما يُساعد في الوقوف على موارد التقية، روى الشيخ بسند صحيح بسنده إلى "الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله -عليه السلام-: أقول: آمين، إذا قال الإمام "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، قال: هم اليهود والنصارى، ولم يجب في هذا"[11].
وروى الكليني بسند صحيح "علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج.
قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ألا تتقوا فيهن أحدا"[12].
ولعل الوجه في ذلك أن هذه الأحكام مما اختص بيانها بالأئمة -عليهم السلام-، فلو اتقى فيها الإمام -عليه السلام- لم يُعرف الحق فيها. ويؤيد هذا الفهم كلام زرارة في ذيل الخبر، حيث فهم أن عدم التقية خاصة بالإمام -عليه السلام-، ولم ينهَ الإمام الشيعة في أن يتقوا في هذه الأحكام.
فتحصّل بهذا أن تقية الأئمة -عليهم السلام- لا تؤدي إلى ضياع الدين؛ لأنها صدرت بمبرر شرعي أولا، وصدرت وفق ضوابط ثانيا، وتم تقرير علامات التقية ثالثا، وجرى الشيعة على تمييزها رابعا، وبهذا يعلم أن تقية الأئمة -عليهم السلام- لا تستلزم ضياع الحق.
والحمد لله رب العالمين.
[1] سورة آل عمران: 28.
[2] سورة النحل: 106.
[3] محمد بن محمد بن النعمان المفيد، أوائل المقالات، ص118.
[4] أي القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني المعتزلي.
[5] علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة (ط الموسوعة)، ج4 ص413-414.
ولاحظ: محمد بن الحسن الطوسي، تلخيص الشافي، ج3 ص87؛ التبيان في تفسير القرآن، ج4 ص165.
[6] علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة (ط الموسوعة)، ج4 ص417-418.
ولاحظ: محمد بن الحسن الطوسي، تلخيص الشافي، ج3 ص89.
[7] محمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام، ج3 ص28.
[8] التهذيب: ولكن أبقيت عليك.
[9] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج13 ص542 ح13370.
ورواه الشيخ في التهذيب ج9 ص277 بسنده إلى "أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن سلمة بن محرز، ...".
ورواه الكليني في الكافي ج13 ص546 ح13376 "حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن محرز، قال: سألت أبا عبد الله –عليه السلام- عن رجل أوصى إلي وهلك وترك ابنة، فقال: أعط الابنة النصف، واترك للموالي النصف، فرجعت، فقال أصحابنا: لا والله، ما للموالي شيء، فرجعت إليه من قابل، فقلت له: إن أصحابنا قالوا: ليس للموالي شيء، وإنما اتقاك، فقال: لا والله، ما اتقيتك، ولكني خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فادفع النصف الآخر إلى الابنة؛ فإن الله سيؤدي عنك".
ورواه الشيخ في التهذيب ج9 ص279 بسنده إلى "الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان بن عثمان عن عبد الله بن محرز ...".
أقول: الظاهر وقوع الخطأ في الطريق الثاني وأن الصحيح "سلمة بن محرز".
[10] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج1 ص592 ح637.
[11] محمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام، ج2 ص75؛ الاستبصار، ج1 ص319 ح1188.
[12] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج5 ص101 ح3954.
ورواه الطوسي في التهذيب ج1 ص362 ح23 دون تعليق زرارة "الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة".
ورواه الصدوق في الفقيه 1 ص48 مرسلا.