تمهيد
قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من تقديم بعض المقدمات الضرورية لفهم المعجز ودلالته:
أولا: لا بد من التنبيه على أن الله -سبحانه وتعالى- لا يفعل القبيح، وذلك لأنه عالم بموارد القبح غير محتاج لارتكابها -تعالى عن ذلك علوا كبيرا-، وقد قُرّر ذلك في بعض الأجوبة.
ثانيا: مقتضى محدودية الإنسان بكونه جسما ماديا انحصار طرق إيصال البيان من الله إلى الإنسان في طريقين لا ثالث لهما، إما العلم الضروري -وذلك بأن يوجِد الله في ذاته علما باستناد بيان معيّن إلى الله تعالى- أو المعجزة، والكلام في هذا الجواب يتعلق بالمعجز.
تعريف المعجز
المعجز هو الفعل الخارق للعادة الكونية الدال على صدق دعوى المدعي، ذكر الشيخ الطوسي -رحمه الله- أن المعجز "عبارة عما يدل على صدق من ظهر على يده واختص به"[1]، وذكر سديد الدين الحمصي أنه "الخارق للعادة الذي يظهر من جهة الله -تعالى- الدال على صدق من ظهر عليه"[2].
والمراد من الدلالة في هذه الكلمات هو ما كان من قبيل دلالة الوضعية كدلالة "صَدَقْتَ" على أن المخاطَب صادق.
قال الشريف المرتضى "لأن المعجز يجري في التصديق مجرى قوله "صَدَقتَ""[3].
وقال أبو الصلاح الحلبي "فإذا تكاملت هذه الشروط فلا بد من كونه دلالة على صدق المدعي، لكون هذا التصديق نائبا مناب لو قال -تعالى-: صَدَقَ هذا فيما يؤديه عنّي، كما لا فرق في كون الملك الحكيم مُصِدّقا لمدّعي إرساله له بين أن يقول: صَدَقَ عليّ، أو يفعل ما ادعى كونه مصدقا له به مما لم تجر عادة الملك بفعله"[4].
فالمعجز تصديق بالفعل، وهو نظير التصديق بالقول في الدلالة، فالمعجز على تقدير صدوره من الله -تعالى- هو بمثابة قول الله لهذا المدعي: صدقتَ في دعواك، وأنا أصدّقك في كونك نبيا ومبعوثا من قبلي.
وجه دلالة المعجز
والوجه في ذلك أن خرق الفاعل لعادته مع مطابقة الخرق لدعوى المدّعي تصديق للمدّعي، ولنوضّح ذلك بالمثال.
نفترض أنّ ملكا كان من عادته اليومية أن يُحيِّي الناسَ مرّةً واحدة ثم يجلس على مجلسه، ثم أتى الناسَ شخصٌ ادّعى أنّه رسول من الملك، وقال: إنّ دليلي على ذلك أن الملك اليوم سيخالف عادته وسيحيّي الناس ثلاثا ثم يجلس، وكان الملك يسمع كلامه هذا مع الناس، ثم فعل الملك كما قال الرجل تماما، فحيّا الناسَ ثلاثا قبل الجلوس، فهنا سيفهم الناس أن الملك صدّق الرجل كأنّه قال له: صدقتَ في دعواك، وأنت مبعوث من قبلي، وعليهم أن يطيعوك فيما تنقله عنّي.
فعلى هذا البيان يتضح أن المعجزة تتقوّم بثلاثة شروط:
١- أن تكون صادرة من الله -تعالى-.
٢- أن تكون خارقة للعادة المضافة إلى الله في الكون، أي خارقة لقوانين الطبيعة.
٣- أن تكون مطابقة لدعوى المدّعي.
فإذا تحققت هذه الشروط فسنقطع أنّ الله صَدّقَ المدّعي في دعواه؛ ولمّا كان الله لا يفعل القبيح علمنا أنّ تصديق الله للمدّعي مطابق للواقع؛ فإن تصديق المدّعي الكاذب قبيح لا يقع من الله، فنعلم بذلك أنه نبي مرسل.
كيفية إحراز شروط المعجز
إذا اتضح ذلك نقول: إن ادعى رجل صالح أنه نبي مرسل من الله -تعالى- فلا بد من أن يقدم دليلا على دعواه، فإن أتى بمعجزة فلا بد من أن تتحقق فيها الشروط الثلاثة المتقدمة لكي نحرز صدقَ دعواه.
ويمكن أن نحرز تحقق الشرط الأول بهذا البيان: لو جاز صدور خرق العادة عن غير الله -تعالى- في مقام وجود دعوى لمدّعٍ للنبوة لأدّى ذلك إلى عدم إمكان حسم الأمر في نبوّته، فإن كان الخارق من الله كان صادقا ووجب اتباعه والإيمان، وإن كان من غيره -تعالى- لم يجز ابتاعه والإيمان به، ونفس ترك العباد في مثل هذه الحالة أمر قبيح؛ فإنه ابتلاء بما لا يمكن العمل بالحق فيه، وهذا مما لا يرضى به الحكيم -تبارك وتعالى-، وحينئذ يتبيّن أن الله -تعالى- لا يُمكّن أحدا من خرق العادة في مثل هذه الحال، فيُعلم بذلك أن المعجز صادر من الله -تعالى-.
ويتحقق الشرط الثاني إذا كان الفعل خارقا للعادة، ويمكن استكشاف ذلك من خلال عجز المتخصصين من الإتيان بمثله، كما جرى في قصة نبي الله موسى -عليه السلام- مع السحرة، حيث عجزوا عن مجاراة معجزته، وكما وقع مع نبينا محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله- حيث عجز العرب المختصون في البلاغة عن معارضة القرآن.
ويتحقق الشرط الثالث من خلال تطابق المعجزة مع دعوى المدعي، لا كما جرى مع مسيلمة الكذاب -أخزاه الله- عندما بصق في البئر فغاض ماؤه بدلا من أن يكثر ويزيد على ما نقل في كتب التاريخ.
تم بحمد الله وتوفيقه.
[1] محمد بن الحسن، تمهيد الأصول، ص458
[2] سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد، ج1 ص384
[3] علي بن الحسين الموسوي، شرح جمل العلم، ص171
[4] تقي بن نجم الحلبي، تقريب المعارف، ص 154-155