image
ما الفرق بين الرسول والنبي والمحدث؟

بسم الله الرحمن الرحيم

وردت روايات كثيرة في بيان الفرق بين الرسول والنبي والمحدَّث، وحاصلها أنّ:

الرسول الذي يسمع الصوت، ويرى في المنام، ويعاين الـمَلَك.

والنبي الذي يسمع الصوت، ويرى في المنام، ولا يعاين الـمَلَك.

والمحدَّث الذي يسمع الصوت، ولا يرى في المنام، ولا يعاين الـمَلَك.

وقد عقد كلّ من الكليني في الكافي[1] والصفار في البصائر[2] باباً في هذه المسألة، ولا بأس بنقل بعض الأخبار في المقام:

[أ] روى الصفار بسند معتبر عن "العباس بن معروف، عن القاسم بن عروة، عن بريد العجلي، قال: سألت أبا عبد الله -عليه السلام- عن الرسول والنبي والمحدث.

قال: الرسول الذي تأتيه الملائكة ويعاينهم وتبلّغه[3] عن الله -تبارك وتعالى-.

والنبي الذي يرى في منامه فهو كما رأى.

والمحدَّث الذي يسمع كلام الملائكة ويُنقر في أذنه[4] ويُنكت في قلبه"[5].

[ب] وروى الصفار بسند موثق "حدثنا محمد بن حسن[6]، عن جعفر بن بشير، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله -عليه السلام-، قال: سألته عن الرسول، فقال: الرسول الذي يعاين ملكا يجيئه برسالة عن ربه فيكلمه كما يكلم أحدكم صاحبه.

والنبي لا يعاين ملكا إنما ينزل عليه الوحي ويرى في منامه، قلت: ما علمه إذا رأى في منامه أنّ هذا حق؟ قال: يثبته[7] الله حتى يعلم أنّ ذلك حق.

والمحدَّث يسمع الصوت ولا يرى شيئا"[8].

[ج] وروى الصفار بسند صحيح "حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول، قال: سمعت زرارة يسأل أبا جعفر -عليه السلام-، قال: أخبرني عن الرسول والنبي والمحدَّث.

فقال أبو جعفر -عليه السلام-: الرسول الذي يأتيه جبرئيل قُبُلا فيراه ويكلمه، فهذا الرسول.

وأما النبي فإنه يرى في منامه على نحو ما رأى[9] إبراهيم، ونحوه ما كان رأى رسول الله -صلى الله عليه وآله- من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند الله بالرسالة، وكان محمد -صلى الله عليه وآله- حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قُبُلا، ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه يأتيه[10] الروح فيكلمه ويحدثه من غير أن يكون رآه[11] في اليقظة.

وأما المحدَّث فهو الذي يُحدَّث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه"[12].

هذا، وينبغي الالتفات إلى وجود خبر صحيح فيه دلالة على أنّ الرسول يكون صاحب شريعة.

روى ابن قولويه بسند صحيح "حدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن مروان بن مسلم، عن بريد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي عبد الله -عليه السلام-: يا ابن رسول الله، أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا"، أكان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-؟ فإن الناس يزعمون أنه إسماعيل بن إبراهيم.

فقال -عليه السلام-: إن إسماعيل مات قبل إبراهيم، وإن إبراهيم كان حجة لله كلها [قائما] صاحب شريعة، فإلى من أرسل إسماعيل إذن؟

فقلت: جعلت فداك، فمن كان؟

قال -عليه السلام-: ذاك إسماعيل بن حزقيل النبي -عليهما السلام- بعثه الله إلى قومه، فكذبوه فقتلوه وسلخوا وجهه، فغضب الله له عليهم، فوجّه إليه أسطاطائيل ملك العذاب، فقال له: يا إسماعيل، أنا أسطاطائيل ملك العذاب، وجهني إليك رب العزة لأعذب قومك بأنواع العذاب إن شئت، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك، فأوحى الله إليه: فما حاجتك يا إسماعيل؟ فقال: يا رب إنك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، ولأوصيائه بالولاية، وأخبرت خير خلقك بما تفعل أمته بالحسين بن علي -عليهما السلام- من بعد نبيها، وإنك وعدت الحسين -عليه السلام- أن تَكُرُّه إلى الدنيا حتى ينتقم بنفسه ممن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا رب أن تكُرَّني إلى الدنيا حتى أنتقم ممن فعل ذلك بي كما تكُرُّ الحسين -عليه السلام-، فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكرّ مع الحسين -عليه السلام-"[13].

تنبيه: ربما يُتوهّم من ظاهر تعبير بعض الأخبار عن المحدَّث بأنه يسمع الصوت ولا يرى في المنام ولا يعاين الملك أن المحدّث لا يكون نبيا ولا رسولا، وحينئذ لا يُعقل أن يكون المحدَّث نبيا أو رسولا.

وهذا غير صحيح؛ لأن الظاهر من الخبر بعد ملاحظة المرتكزات هو بيان المراد من المحدَّث بما هو محدَّث، فهو بهذا الاعتبار لا يرى الملك ولا يرى في المنام، والشاهد على ذلك أنه جاء في الأخبار أن النبي يرى في المنام ولا يرى الملك، ولا يخفى أن في الأنبياء من هو رسول بحيث تجتمع له النبوة والرسالة، فيعاين الملك ويرى في المنام، وهذا يعني أن نفي رؤية النبي للملك متعلقة بنفي رؤية النبي بما هو نبي، وهذا لا ينفي كونه يرى الملك باعتبار آخر غير النبوة، كما إذا كان رسولا.

وعلى هذا لا يكون في البين منافاة بين اجتماع التحديث والنبوة والرسالة.

والحمد لله رب العالمين.

 

----------


[1] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج1 ص428 ب3.

[2] محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، ج8 ب1.

[3] في تأويل الآيات الظاهرة: + الرسالة.

[4] في تأويل الآيات: يسمع كلام الملائكة وحديثهم ولا يرى شيئاً بل يُنقر في أذنه.

[5] محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، ج8 ب1 ح1.

ورُوي في كتاب الاختصاص ص328 عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه ومحمد بن خالد البرقي والعباس بن معروف، عن القاسم بن عروة، ورواه الاسترآبادي في تأويل الآيات الظاهرة ج1 ص342 عن الحسين بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن القاسم بن عروة.

[6] كذا، والصحيح الحسين، وهو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.

[7] في بعض النسخ: يبينه.

[8] محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، ج8 ب1 ح7.

ورواه في ح3 عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، ورواه في ح12 عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن ابن بكير.

[9] في الكافي: رؤيا.

[10] في الكافي: ويأتيه.

[11] في الكافي: يرى.

[12] محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، باب 8 ح9.

ورواه الكليني في الكافي: ج1 ص430 ح445 عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد.

[13] جعفر بن محمد بن قولويه، كامل الزيارات، ب19 ح3.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا