image
ما معنى ما رد عنهم -عليهم السلام- "أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء".

روى الكليني بسند صحيح "محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن جميل بن دراج، قال: قال أبو عبد الله -عليه السلام-: أعربوا حديثنا؛ فإنا قوم فصحاء"[1].

يحتمل في الحديث معنيان:

المعنى الأول: أن معنى الإعراب هو جعل الكلام عربيا بعد أن كان فيه نوع عجمة ولحن، والمعنى حينئذ أنه إن نقل الكلام عنهم -عليهم السلام- بكلام مشتمل على عجمة أو لحن تعيّن على المنقول إليه إصلاحه وتعديله بحيث يصير عربيا صحيحا، فإنهم -عليهم السلام- فصحاء لا يلحنون في الكلام، فإن فُرض وقوع اللحن في كلامهم كان ذلك من الناقل، والمتعيّن حينئذ إعرابُه بمعنى جعله عربيا صحيحا.

ويُناسب هذا المعنى ما جاء في كتاب أخبار في النحو لأبي طاهر عبد الواحد بن عمر (ت٣٤٩)، قال "حدثنا أبو بكر محمد بن على بن إسماعيل التوَّزِيُّ، قال: حدثنا عمر بن شَبَّةَ، قال: حدثنا عفان، قال: قال همَّام: ما حدَّثْتُكم عَنْ قَتَادَةَ مَلْحُونًا فأَعْرِبُوه؛ فَإنَ قَتَادَةَ كان لا يَلْحَنُ"[2].

وقال "حدثنا أبو بكر، قال: قال لنا أبو زيد: قال لي عفّان -أَو أبو الوليد-: كان يَزيدُ بنُ أَبِي عُمَرَ إِذَا حدَّثَ عن الحسن أَعْرَبَ، وإذا حدَّثَ عن ابن سِيرِينَ يَلْحَنُ"[3].

المعنى الثاني: أن معنى الإعراب هو الكشف عن المعاني الخفية للكلام؛ فلما كان أهل البيت -عليهم السلام- فصحاء كان من شأن كلامهم أن يكون بليغا بحيث يُفيد المقاصد العميقة بالأساليب والعبارات الدقيقة، فكان من شأن كلامهم -عليهم السلام- أن يُعرب بأن يُكشف ما فيه من الدقائق واللطائف.

وهذا المعنى من الإعراب ثابت في اللغة، تقول العرب "أعرب عن لسانه" أي أبان وأفصح.

قال ابن منظور "وقال الأزهري: الإعراب والتعريب معناهما واحد، وهو الإبانة، يقال: أَعرب عنه لسانه وعرّب، أي أبان وأفصح، وأعرب عن الرجل: بَيَّنَ عنه، وعَرّب عنه: تكلم بحجته.

وحكى ابن الأثير عن ابن قتيبة: ...، وإنما سمي الإعراب إعرابا؛ لتبيينه وإيضاحه، قال: وكلا القولين لغتان متساويتان، بمعنى الإبانة والإيضاح"[4].

ولم يترجح عندنا أحد المعنيين على الآخر، غيرَ أن النفس تميل إلى الثاني أكثر؛ فإنه أكثر مناسبة لأغراض المعصومين -عليهم السلام-.

وأما الإعراب بالمعنى الاصطلاحي الراجع إلى بيان المعاني التي تعرض الكلمات من الفاعلية والمفعولية والابتداء والخبرية فهو غير مناسب للحديث؛ فإنه معنى اصطلاحي يمكن أن يكون حادثا في زمان المعصوم، ولكن لمّا كان اصطلاحيا لم يصح أن يحمل عليه كلام الإمام -عليه السلام- إلا بقرينة واضحة.

 

----------


[1] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج1 ص131 ح155.

[2] أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم البغدادي، أخبار في النحو، ص30.

[3] أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم البغدادي، أخبار في النحو، ص31.

[4] ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، مادة "عرب".

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا