image
ما المنهج الصحيح للتعامل مع الحديث عند الإمامية؟

 

لتوضيح منهجية علمائنا في التعامل مع الحديث ينبغي بدايةً استحضار معنى الحُجيّة، وقد تمّ ذلك في الجواب عن سؤال: "ما معنى الحُجيّة؟"

فإذا اتضح ناسب المقام بيان التالي:

 

أقسام الحديث

يمكننا أولاً تقسيم الحديث بحسب مضمونه ومحتواه، فعندما ننظر إلى مدلول الحديث يمكننا أن نصنّف الأحاديث فنجد أن بعض الأحاديث فقهية، وبعضها يتعلق ببعض الحوادث التاريخية، وآخر يتعلّق ببيان العقائد الحقّة، وهكذا.

ثم يمكننا تقسيم الحديث بطريقة أخرى، وهنا نحن ننظر إليه بحسب السند، فنقول: ينقسم الحديث إلى قسمين:

 

القسم الأول: الخبر المتواتر

وهو الخبر الذي تكثّرت أسانيده ورواته بما يوجب القطع بعدم تواطئ الرواة والنقلة على الكذب أو اشتباههم جميعاً، فيُقطع بصدوره عن الإمام -عليه السلام-.

ووجوب المضي على مقتضى هذا الخبر القطعي أمر متسالم عليه عند عموم العقلاء، فلا ترى عاقلاً إلا وهو يقطع بحصول الحرب العالمية الثانية ولو لم يعاصرها، أو بوجود الصين ولو لم يسافر إليها.

القسم الثاني: خبر الآحاد

وهو الخبر الذي لم تتكثّر أسانيده بما يوجب القطع بعدم تواطئ الرواة على الكذب أو اشتباههم جميعاً.

وهذا القسم ينقسم بدوره إلى قسمين آخرين:

الأول: خبر الآحاد القطعي

وهو الخبر الذي نقطع بصدوره بسبب قرينة خارجية أو مجموع قرائن خارجية مجتمعة تورث اليقين، كتكثّر أسانيد الخبر -ولو لم يصل إلى حدّ التواتر-، ووروده في الكتب الكثيرة، ووروده في كتب المذاهب المتنوعة، ووروده في كتب على خلاف مذهب صاحب الكتاب، وإفتاء الفقهاء بمضمون الحديث واعتمادهم عليه، وغيرها من القرائن الرافعة لاحتمال صدور الخبر.

وكذلك الأمر هنا، فوجوب المضي على مقتضى هذا الخبر القطعي أمر متسالم عليه عند العلماء، بل عموم العقلاء، فلا يشك أحدٌ بحصول وفاة أو حرب بمجرد نقل بعض وسائل الإعلام المرموقة للخبر، ولو لم يصل إلى درجة التواتر.

الثاني: خبر الآحاد غير القطعي.

وهو الخبر الذي لم يصل إلى درجة القطع بصدوره، والفقهاء يتعاملون مع هذا القسم بمناهج متعدّدة:

المنهج الأول: الوثوق.

يبتني هذا المنهج على أن المدار والمناط في قبول الحديث وعدمه هو حصول الوثوق بصدور الخبر عن المعصوم، والمراد بالوثوق هو درجة الاحتمال العالية المقاربة لليقين، فيُبنى على الحديث ويُعتمد عليه بحصول الوثوق بصدوره.

وهذا الوثوق يحصل بتضافر الاحتمالات التي أورثتها القرائن واجتماعها وتعاضدها.

وعلى هذا المنهج يُشكّل علمُ الرجال مصدرا من مصادر القرائن المثبتة لصدور الخبر، فرواية رواها كبار علمائنا على مرّ الأزمان لن تورث لك نفس احتمالية الصدور لو رواها كاذب عن كاذب.

وكذلك الأمر في الكتاب الذي ذكر هذه الرواية، فخبر ورد في كتاب كالكافي ليس كخبر ورد في كتاب صُنِّفَ قبل مئتي سنة.

ولن يكون خبر رواه شخص غير مؤكد الوثاقة يصب في صالحه أو يمدح فيه قبيلته كخبر ورد في كتب أهل السنة في إثبات الإمامة.

يبتني هذا المنهج على جمع كل القرائن التي تحف بالخبر حتى يحصل الوثوق بصدوره.

المنهج الثاني: الوثاقة.

يبتني هذا المنهج على قيام أدلة قطعية أثبتت حجية الأحاديث التي رواها الثقات دون غيرهم ولو لم يتحقق الوثوق بصدورها، فاقتضت هذه الأدلة القطعية اتباع هذه الأخبار والمضي على وفقها ولو لم يحصل الوثوق بصدورها.

ولهذا المنهج مسالك متعددة؛ فقد اختلف العلماء في ضابط الأخذ بحديث الثقة:

المسلك الأول: الاكتفاء بالوثاقة

 يكتفي أصحاب هذا المسلك بثبوت وثاقة الرجال الذين رووا الحديث لتصحيح الاعتماد عليه، نعم، إن حصل اليقين أو الوثوق بعدم مطابقة الخبر للواقع -ولو من باب اشتباه الرواة- لم يمكن الاعتماد على الخبر.

المسلك الثاني: الوثاقة مع حصول الظن بالحديث.

يطابق هذا المسلكُ المسلكَ المتقدّم، غيرَ أنه يبتني على اعتبار شرط زائد، وهو حصول الظن بصدور الحديث، فترجّح كفة صدوره على كفّة عدم صدوره، فلو كان الحديث الذي رواه الثقات محتمل الصدق من دون ظن بالصدق لم يمكن الاعتماد عليه.

المسلك الثالث: الوثاقة مع عدم حصول الظن بالخلاف.

يطابق هذا المسلكُ المسلكَ الأول، غيرَ أنه يبتني على اعتبار شرط زائد، وهو عدم حصول الظن بخلاف مفاد خبر الثقة، فالمعتمد هنا هو الحديث الذي رواه الثقات لكن بشرط ألا ترجّح كفّة عدم الصدور على كفّة الصدور.

تنبيه: لا يتبنّى بعض العلماء المنهج الثاني من رأس، ويرون أن الحجة هو خصوص المنهج الأول، بينما كل من تبنّى المنهج الثاني تبنّى المنهج الأول أيضا.

تنبيه: تختص حجية المنهجين المتقدّمين بالتعامل مع النصوص المتعلقة بالعمل، فالأعمال هي التي يُتصوّر فيها الأخذ بالنص من دون علم ويقين؛ إذ يمكن للشارع أن يأمر بالعمل بشيء وإن لم تعلم مطابقته للواقع كما في أمره بالأخذ بالبيّنات والأيمان، ولكن لا معنى لئن يجعل الشارع غير العلم علما حقيقيا، ولا معنى لئن يجعل غير اليقين يقينا حقيقيا.

فلا مجال لتوهّم صلاحية المنهجين المتقدّمين لإثبات المعارف العقدية والتاريخية ونحوهما مما هو خارج عن دائرة العمل بشكل علمي يقيني، نعم، يمكن الأخذ بغير العلم بالمعارف بمعنى بيان درجة الاحتمال الحاصلة من الشواهد والقرائن والأدلة المتقرّرة في المسألة، فيمكن أن يُقال بأن درجة هذه الاحتمال في هذه المسألة المعرفية 90% بحسب ما تعطيه الشواهد والقرائن، وهكذا في بقية الموارد.

ومن هنا تعيّن الحذر من الاستعجال في البناء على الأدلة بحيث يُتعامل مع الدليل الذي لا يفيد العلم معاملة الدليل المفيد للعلم، وبحيث يُتعامل مع النتائج غير اليقينية معاملة اليقينيات؛ فإن هذا من أهم مصاديق اتباع الظن المحرّم، قال -تعالى- ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا٢٨﴾[1]، وقال ﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ١٥﴾[2].

 

كيف يتعامل العلماء مع الحديث؟

جدير بالبيان في هذا السياق أن البحث في اعتبار حديث يبتني على عدة خطوات جريا على المنهجين المتقدّمين:

الخطوة الأولى: التأكد من وجود كتاب للمصنّف بهذا الاسم أو المضمون

بطبيعة الحال يوقف على الأحاديث في الكتب والمصنّفات الواصلة، وحينئذ يلزم التحقيق في نسبة الكتاب إلى المصنّف، فهل للمصنّف كتاب بهذا العنوان؟

ويحسن الالتفات في المقام إلى أن الكثير من الكتب واضحة النسبة إلى أصحابها بسبب تداول الكتاب جيلا بعد جيل، كما هو الحال في الكافي وكتاب من لا يحضره الفقيه وتهذيب الأحكام والاستبصار فيما اختلف من الأخبار وكتاب التوحيد وعلل الشرائع وغير ذلك من الكتب المشهورة المتداولة.

وفي مقابل ذلك توجد كتب قلقة في التراث ككتاب مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق -عليه السلام- والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري -عليه السلام- وكتاب فقه الرضا، فنسبة هذه الكتب إلى من تُنسب إليه محل إشكال، ولا بد من التحقيق والتدقيق من هذه الجهة.

وجدير بالذكر أن من الممكن أن تتغيّر أسماء الكتب في بعض الأحوال والظروف، فقد يغيّر بعض النساخ اسم الكتاب لأغراض شخصية أو لاشتباهات من قبلهم، فينبغي التأكد من احتمالية وجود كتاب بهذا المضمون أيضاً، وإن اختلف اسم الكتاب وحُرّف.

الخطوة الثانية: التأكّد من صحّة النسخة الواصلة لنا

بعد التثبّت من نسبة الكتاب إلى من نُسبَ إليه يقع الكلام في صحة النسخة الواصلة إلينا من الكتاب، فهل النسخة الواصلة هي نفس ما صنّفه هذا المصنّف بهذا العنوان؟

ففي هذه الخطوة يتأكد العلماء من صحة النسخة الواصلة، وتتم هذه الخطوة عن طريق متابعة الكثير من الأمور، كل منها يزيد أو ينقص احتمالية نسبة الكتاب للمؤلف، منها -على سبيل المثال لا الحصر-:

-   متابعة النقولات عنه: فقد وصل الكتاب إلى بعض علمائنا الذين كانوا قريبين من زمن صاحب الكتاب، ونقلوا عنه، فيتابع العلماء هذه النقولات في الكتب -التي نطمئن بنسبتها لأصحابها-، ونطابقها مع ما ورد في هذه المخطوطة، فهل هنالك تطابق بينهما؟

-   متابعة النقولات التي نقلتها النسخة: فهل تناسب النقولات الموجودة في النسخة زمن المؤلف؟ فلو وجدنا مثلاً مخطوطة منسوبة للعلامة الحلي -رحمه الله-، ولكن بعد أن بحثنا في المخطوطة وجدنا أن هنالك نقولات عن العلامة المجلسي -رحمه الله- سنقطع مباشرة بعدم صحة نسبة المخطوطة للعلامة الحلي فهو قد سبق العلامة المجلسي -رحمه الله- بقرون.

-   متابعة أسلوب المؤلف بالكتابة: وهذا الأمر دقيق يحتاج إلى ممارسة، وهو يتحقق بمتابعة ما ورد في المخطوطة، ومقارنتها بطريقة المصنف في الكتب الأخرى، وحتى نوضح الأمر أكثر نذكر مثالاً واضحاً: وهو أنّي لو وجدت مخطوطة منسوبة للشيخ المفيد -رحمه الله-، ولكن عندما راجعتها وجدت أن الكاتب ذكر مصطلحات مستحدثة لا تناسب زمن الشيخ المفيد كـ "الإيدلوجيا"، "والهرمونوطيقا"، من هنا يقطع المحقق أنّ هذه المخطوطة لا تمت بصلة للشيخ المفيد -رحمه الله-.

-   متابعة أفكار المؤلّف: فلو عثرنا على مخطوطة نسبت للشيخ الصدوق -رحمه الله-، ووجدنا فيها أفكار تخالف عقيدة الشيعة وما ذكره الشيخ الصدوق في كتاب "الاعتقادات"، فهنا نقطع أيضاً بعدم صحة نسبة الكتاب للشيخ الصدوق -رحمه الله-.

الخطوة الثالثة: التأكد من وثاقة المصنّف.

بعد إتمام ما سبق علينا ألا نغفل عن أمر مهم، وهو وثاقة المصنّف، فلا يمكن الاعتماد على أحاديث الكتاب إن لم يكن المصنّف نفسه ثقة ولو تيقنّا بنسبة النسخة له.

من هذا القبيل كتاب القراءات أو التنزيل والتحريف لأحمد بن محمد السياري، فقد وقفنا على كتاب منسوب له، وحينئذ إن تمّت نسبة الكتاب إليه لم يمكن الاعتماد على ما تفرّد به من أحاديث؛ فقد ضعّفه علماء الرجال وطعنوا في روايته.

الخطوة الرابعة: التأكد من صحة السند بين المؤلف والإمام

بعد تصحيح نسبة الكتاب إلى المصنّف وتصحيح نسبة النسخة الواصلة من الكتاب وتوثيق مصنّف الكتاب يصل البحث إلى إثبات صحة طريق المصنّف إلى الحديث.

وقد جرت عادة المحدّثين على إيراد الحديث مشتملا على الرواة الناقلين للحديث، وتُسمّى سلسلة الرواة الناقلين للحديث بـ"السند"، فالمصنّف يذكر اسم شيخه الذي أخذ منه هذا الحديث، ثم يلحقه بشيخ شيخه، وهكذا إلى أن يتصل الإسناد بالمعصوم -عليه السلام-.

وهنا يأتي دور علم الرجال، فهو العلم المتكفّل بتحقيق أحوال رواة الحديث، فيُبحث في حال راو راو من الرواة لتقرير حال السند، وتختلف أحوال الأسانيد باختلاف خصوصياتها وفق ما يُقرر في علم الدراية.

إذا تمت هذه الخطوات أمكن للعالم -بحسب المنهج الذي يتبنّاه- تمييز الحديث المعتمد عن غيره في مقام الاستنباط.

هذا بيان إجمالي لكيفية تعامل العلماء مع الحديث من جهة صدوره، والتحقيق والتدقيق في هذا يبتني على جهود كبيرة ودراسة معمقة.

وأخيرا نذكّر بلزوم التثبّت والتريّث في الحكم على الأحاديث، فلا ينبغي الاستعجال بردّ حديث أو إثباته، والله الهادي إلى الصواب.

﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤﴾[3].

 

----------

 

[1] النجم: 28.

[2] النور: 15.

[3] القيامة: 14.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا