يُفهم من كلمات بعض العلماء والباحثين المعاصرين أن الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام هو أن الفلسفة برهانية وعلم الكلام جدلي؛ أي أنه يعتمد على مقدمات في الاستدلال أعم من أن تكون يقينية، كأن يستعمل المشهورات والمسلّمات -حسب تعريف المناطقة- في الاستدلال[1].
ولعل المتتبع لتاريخ هذه الدعوى ينتهي به المطاف إلى تعريف الفارابي (ت ٣٣٩ هـ) لعلم الكلام في كتابه إحصاء العلوم، حيث قال: "وصناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحمودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل"[2].
ثم إن بعض المتكلمين المتأثرين بالفكر الفلسفي والصوفي انساق مع هذه الدعوى التي أطلقها الفارابي؛ حيث نرى أبا حامد الغزالي (ت٥٠٥ هـ) بعد أن استخدم الجدل أحياناً في كتابه تهافت الفلاسفة، يصرح في أواخر مصنفاته المنقذ من الضلال[3] بأن علم الكلام لم يشف غليله لما كان يحوي من الجدل وقلة النفع لمن لا يُسلّم سوى الضروريات!
ولعله لهذا اعتبر بعض المتكلمين شرط الجري على قانون الإسلام -أو ما يؤدي إلى ذلك- في حقيقة علم الكلام[4]، والذي استغله بعض الفلاسفة ليُثبت جدلية هذا العلم وأهله، وعدم جدوى الأدلة الكلامية في تحصيل العقائد الدينية![5].
وقد أدت هذه الدعوى ببعضٍ من الباحثين المعاصرين وطلبة العلم إلى الزهد في دراسة علم الكلام وترك الاهتمام به، بل والإعراض عنه وإنكار أهميته.
وهنا نورد مجموعة من الملاحظات على هذا التصور، الذي لا يعدو كونه مجرد دعوى لا تتناسب مع الواقع الخارجي لطبيعة علم الكلام، فنقول:
أولاً: إن واقع علم الكلام الموجود يشهد على استهداف علم الكلام إثبات الحق بالدليل والبرهان، فهذه كتب علم الكلام شاهدة جيلاً بعد جيل على تقصّد تحقيق الحق بإيراد النقوض على مذاهب الخصوم بالبرهان، ونقض ما أوردوه من نقوض بالبرهان أيضاً، وكم حجة للمتكلمين عجز عن دحضها كبار الفلاسفة!
ويكفي شاهداً على ذلك الأدلة الدالة على اختيار الله بمعنى التمكن من الفعل والترك، فمن تأمل في ردودهم على الفلاسفة في هذه المسألة، ولاحظ أجوبة الفلاسفة، وجد أن جهود المتكلمين بعيدة عن الجدل كل البعد، وإنما اتكأت على البراهين القاطعة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ تأثر المتكلمين بما رأوه حقاً من الفلسفة، فلاحظ حضور الوجوب والإمكان وشؤونهما في علم الكلام بعد أن قررها الفلاسفة، ولاحظ حضور المنطق الأرسطي في علم الكلام بعد أن تبلور علم المنطق وتنقّح على أيدي جماعة من الفلاسفة والمتكلمين.
ثانياً: إن مشهور المتكلمين -من جميع المشارب والمذاهب- على عدم اعتبار تحصيل العقيدة إلا بالدليل والبرهان، وعدم كفاية التقليد في أصول الدين، فهذا ما صرح به المفيد والمرتضى والطوسي -عليهم الرحمة-، والقاضي عبد الجبار ويحيى بن الحسين الهاروني، وأبو المعالي الجويني، وابن حزم الأندلسي، وأبو معين النسفي[6]، وغيرهم الكثير، فهل ينسجم هذا مع الطبيعة الجدلية لعلم الكلام؟!
ثالثاً: إن المتكلمين في الأجيال الأولى متهمون بمخالفة ظواهر الكتاب والسنة اعتماداً على عقولهم، والنصوص في هذا كثيرة[7]، بل نُعِتوا بالمبتدعة والزنادقة على هذا، فكيف يُنسب إلى علم الكلام بما هو علم كلام الأخذ بظواهر الكتاب والسنة بوصفها مسلمات قبل البحث؟!
ثم إن هذا مما لا يمكن الشك فيه على ما عُلم من طريقة أكثر المتكلمين، بل جميعهم من تأويل النصوص في الجملة، وإن اختلفوا في ضابط التأويل وشروطه.
رابعاً: إن جملة من المتكلمين -بل لا يكاد يخلو هذا من متكلم مدقّق- خالفوا أصحابهم في مسائل كلامية مهمة، فلاحظ مخالفات الجويني والرازي والتفتازاني للأشاعرة، ومخالفات المرجاني للماتريدية، ومخالفات الطوفي للحنابلة، ومخالفات أبي الحسين البصري للمعتزلة، ومخالفات يحيى بن حمزة للزيدية، ومخالفات بني نوبخت والمفيد لمن تقدمهم من الإمامية، وهكذا عامة الفرق والمذاهب، فهل ينسجم تغير المذاهب بسبب الحجج الكلامية مع كون علم الكلام علماً جدلياً يستهدف محض الدفاع عن الفروض المُسلّمة؟!
خامساً: إن التغير في الأنظار حاضر عند المتكلمين، فكم من متكلم انتقل من مذهب إلى آخر بانياً على أن ما انتقل إليه هو الحق، فلاحظ تغيّر ابن قبة الرازي وأبي الحسين الهاروني وأبي الحسن الأشعري وابن تيمية الحرّاني وغيرهم، وهذا لا ينسجم مع الطبيعة الجدلية لعلم الكلام كما هو واضح.
سادساً: نص بعض المتكلمين المتقدمين على أن غاية علم الكلام تحصيل اليقين بالحق[8].
سابعاً: إن لبعض المتكلمين كلاماً صادقاً في تقصّد اتباع الحق بالدليل والبرهان، ولا بأس بالإشارة إلى بعض كلماتهم في هذا السياق.
قال سيدنا المرتضى (ت ٤٣٦ هـ) في نهاية كتابه الشافي في الإمامة بعد أن قرر الحجج الكلامية في إثبات الإمامة: "ونحن الآن قاطعون كتابنا على هذا الموضع لوفائنا بما شرطناه وقصدناه، ولم نألُ جهداً وتحرّياً للحق فيما اشتمل عليه هذا الكتاب من كلامنا بحسب ما بلغته أفهامنا، واتسعت له طاقتنا، ونحن نقسم على من تصفحه وتأمله ألا يقلّدنا في شيء منه، وأن لا يعتقد بشيء مما ذكرناه إلا ما صح في نفسه بالحجّة، وقامت عليه عنده الأدلة"[9].
نعم، لا أحد ينكر أن هنالك متكلمين أصيبوا بأمراض أدت بهم إلى التعصب والجدل في البحث الكلامي، وفي هذا السياق نرى تحذير الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) من آفات علم الكلام، قال: "واعلم أن لصناعة الكلام آفات كثيرة، وضروباً من المكروه عجيبة، منها ما هو ظاهر للعيون والعقول، ومنها ما يدرك بالعقول ولا يظهر للعيون، وبعضها وإن لم يظهر للعيون وكان مما يظهر للعقول؛ ...
ومن آفات صناعة الكلام أن يرى من أحسن بعضها أنه قد أحسنها كلها، وكل من خاصم فيها وظن أنه فوق من خاصمه، حتى يرى المبتدئ أنه كالمنتهي، ويخيّل إلى الغبي أنه فوق الذكي، أيضاً أنه يُعرِض عن أهله ويَنْصِبُ لأصحابه من لم ينظر في علم قط، ولم يخض في أدب منذ كان، ولم يدر ما التمثيل والتحصيل، ولا فرّق ما بين الإهمال والتفكير.
وهذه الآفات لا تعتري الحُسّاب ولا الكُتّاب ...
وصناعة الكلام كثيرة الدخلاء والأدعياء، قليلة الخُلّص والأصفياء، والنجابة فيها غريبة، والشروط التي تستحكم بها الصناعة بعيدة سحيقة، ولِدَعِيّ القوم من العجز ما ليس بصحيحهم، ولِرَدِيّ الطباع في صناعة الكلام من ادّعاء المعرفة ما ليس للمطبوع عليهم منهم، بل لا تكاد تجده إلا مغموراً بالحشوة مقصوداً بمخاتل السفلة"[10].
ولكن من خصّ المتكلمين بهذا فهو عن الإنصاف بعيد، وفي واقع العلم غير حصيف، فالفلاسفة -فضلاً عن غيرهم- مبتلون أيضاً بالجدل واستخدام الخطابيات والمشهورات، فمن لاحظ تعظيمهم لأنفسهم وأسلافهم -وإن كانوا كفاراً مشركين بالله-، وادعاء وصول عقولهم للكمال، واختصاصهم بكنوز المعارف الإلهية، وتوهينهم للمتكلمين كافة[11]، وتصغيرهم لعقول الناس عامة[12]، فبعد هذا ما وجه تخصيص علم الكلام بالجدل دون الفلسفة؟!
والحق أن الاعتماد على الخطابيات والمشهورات في التحقيق يرجع إلى مرض يُبتلى به الناظر أياً كان مذهبه ومسلكه، فينبغي أن يحترز عنه فيلسوفاً كان أم متكلماً، وهو ما يحتاج إلى مجاهدة نفس وصبر وثبات، والله الموفق.
----------
[1] لاحظ: محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ج٥ ص٢٨٠-٢٨١؛ مرتضى المطهري، مدخل إلى العلوم الإسلامية، القسم الأول ص١٢١-١٢٢.
[2] الفارابي، إحصاء العلوم، ص١٠٧-١٠٨.
[3] لاحظ: أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، ص٢٧.
[4] لاحظ: شمس الدين السمرقندي، المعارف في شرح الصحائف، ج١ ص٣٥١-٣٥٤؛ الجرجاني، شرح المواقف، ج١ ص٣٦؛ التعريفات، ص٨٠؛ محمد بن جعفر الإسترآبادي، البراهين القاطعة، ج١ ص٦٥-٦٦.
[5] لاحظ: عبد الرزاق اللاهيجي، شوارق الإلهام، ج١ ص٥٩-٦٠.
[6] لاحظ: محمد بن محمد بن النعمان العكبري، تصحيح اعتقادات الإمامية، ص٧٢؛ عبد الجبار بن أحمد الهمداني، شرح الأصول الخمسة، ص٣١؛ يحيى بن الحسين الهاروني، شرح البالغ المدرك، ص٩٧؛ علي بين الحسين الموسوي، الذخيرة في علم الكلام، ص١٦٥؛ علي ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والنحل، ج٢ ص٣٢٩؛ محمد بن الحسن الطوسي، تمهيد الأصول، ص١٩٦؛ أبو المعالي الجويني، العقيدة النظامية، ص٢١٠؛ أبو المعين النسفي، تبصرة الأدلة، ج١ ص٢٣.
[7] لاحظ: أحمد بن الحسين البيهقي، مناقب الشافعية، ص٤٦٢؛ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي، ذم الكلام وأهله، ح٨٩٨ وح٩٨٦ وح١٠٠٦.
[8] لاحظ: عمرو بن عثمان الجاحظ، من صدر كتابه في صناعة الكلام (ضمن الرسائل الكلامية)، ص٥٣-٥٤.
[9] علي بن الحسين الموسوي، الشافي في الإمامة، ج٤ ص٣٦٦.
[10] عمرو بن عثمان الجاحظ، من صدر كتابه في صناعة الكلام (ضمن الرسائل الكتابية)، ص٥٥-٥٦.
[11] لاحظ: صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية، ج١ ص٣٦٢-٣٦٤؛ رسالة الحدوث، ص١٠، تفسير القرآن الكريم، ج٤ ص٣١٧-٣١٨؛ الحسين بن عبيد الله ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ص٣٦٧.
[12] لاحظ: صدر الدين الشيرازي، شرح أصول الكافي، ج٣ ص١٣٢.