من الإخبارات الغيبية المستقبلية في القرآن الكريم الإخبار بغلبة الروم، والتي أشارت إليه الآيات الأولى من سورة الروم.
قال تعالى: ﴿الم ١ غُلِبَتِ الرُّومُ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ٥ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1].
تحكي الآية عن مغلوبية الروم في يوم قريب من وقت نزولها، ثمّ وقّتت انتصار الروم ببضع سنين بعد المغلوبية، والبضع في اللغة: ما بين الثلاثة إلى العشرة[2].
وقد وقع كلام بين المفسرين في المراد بـ"في أدنى الأرض" و"يومئذ يفرح المؤمنون" ولكن لما كان محل الكلام لا يتوقف على تحقيق ذلك نكتفي بهذا البيان الإجمالي للآية.
فإذا اتضح أنّ القرآن الكريم قد أخبر عن غلبة مستقبلية للروم يمكن إثبات صحة هذا الإخبار بالبيان التالي:
لو كان هذا الإخبار كاذباً لَبان وانتشر؛ لأنّ كذب الإخبار دليل على إبطال نبوة النبي محمد -صلى الله عليه وآله-، وكان مقتضى ذلك انتشار تكذيب هذه الإخبار من قِبل الأعداء والتشنيع عليه، وكل ذلك لم يكن، فيدل ذلك على صحة هذا الإخبار.
بالإضافة إلى أنّ ما أشارت إليه الآيات الكريمة منسجم تماماً مع الأحداث المذكورة في التاريخ، وملخصها[3]:
· 602 م (20 ق ه): بداية الحرب البيزنطية – الساسانية.
· 610 م (12 ق ه): تولي هرقل (Heraclius) الحكم.
· 613 م (9 ق ه): انهزام الروم في معركة أنطاكية، وسقوط دمشق وآفاميا وحمص على أيدي الفرس.
· 614 م (8 ق ه): استيلاء الفرس على القدس (أورشليم) وإحراق كنيسة القيامة والاستيلاء على الصليب المقدس ونقله إلى عاصمة الفرس.
· 619 م (3 ق ه): حصار الفرس على الاسكندرية.
· 622 م (عام الهجرة): خروج هرقل من القسطنطينية لمواجهة الفرس، وانتصار هرقل على شهربراز، وهو أول انتصار للروم على الفرس منذ سنوات.
· 624 م (2 ه): استيلاء هرقل على أذربيجان (ميديا)، وقام بتدمير أكبر معبد نار مجوسي.
· 627 م (5 ه): انتصار هرقل انتصاراً ساحقاً في معركة نينوى.
· 628 م (6 ه): انتهاء الحرب بانقلاب ابن الملك الفارسي على أبيه والموافقة على السلم مع الروم.
وبهذا البيان وإن صَعُبَ تحديد المعركة المُشار إليها على نحو الدقة في قوله تعالى "غُلِبَت الروم" إلا أن هذه الحوادث تنسجم انسجاماً تاماً مع الآية، فمن الممكن أن تكون المغلوبية المشار إليها في معركة أنطاكية عام 613 للميلاد والغَلَبة في عام 622 في أولى معارك هرقل، فتكون المدة تسع سنين المنسجم تماماً مع قوله تعالى "في بضع سنين".
وبهذا البيان يتبين صحة هذا الإخبار الغيبي.
وأما أنّ هذا الإخبار معجِز فلأنّ الغلبة قد عُيِّنت في فترة زمنية محدودة "في بضع سنين"، ولأنّ انتصار الروم كان مستبعداً جداً في تلك الحالة.
قال المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون Edward Gibbon (1737 -1794 م) "في الزمن الذي تُنبؤت فيه هذه النبوءة، ما كان لنبوءة أن تكون أبعد منها من التحقق؛ حيث أعلنت السنوات الاثني عشر الأولى لهرقل عن دنوّ انحلال الإمبراطورية"[4].
وهذا الإخبار لم يرتبط بالمسلمين أنفسهم ليُقال بأنّ اعتقادهم بهذا الإخبار كان له أثراً كبيراً في تحققه، بل الإخبار متعلق بمن لا يؤمن به بل لعله لم يسمع به حينئذ.
والحمد لله رب العالمين.
----------
[1] الروم: 1-6.
[2] الخليل بن أحمد الفراهيدي، العين، مادة (بضع).
[3] لاحظ المصادر التالية: ويل ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الرابع (ج12) الباب السابع ص295-296.
Franzius Enno. "Heraclius". Encyclopedia Britannica.
Walter Kaegi, Heraclius, Emperor of Byzantium, Chapter 2-5.
Warren Treadgold, A History of the Byzantine State and Society, 287-301.
[4] Edward Gibbon, History of the Decline and Fall of the Roman Empire, Chapter XLVI Part III.
والعبارة الأصلية:
At the time when this prediction is said to have been delivered, no prophecy could be more distant from its accomplishment, since the first twelve years of Heraclius announced the approaching dissolution of the empire.