image
كيف يمكن ضمان صحَّة الاستدلال العقلي؟
ينبغي أن يُعلَم أن أي قضيَّة نظريَّة (=اعتقاد معيّن أو فكرة عقليَّة أو دعوى ما) يُدَّعى صحَّتها -بمعنى مطابقتها للواقع- = يمكن[1]  قولبتها على شكل قالب منطقي (=قياس منطقي) مكوّن من مقدمات ونتيجة[2]، كما هو مُقرَّر في علم المنطق.
كأن يقول من يريد إثبات أن (لهذا العالم سبب):
-        العالم حادث. (مقدمة صغرى)
-        ولكل حادث سبب أحدَثَهُ. (مقدمة كبرى)
-        إذن للعالم سبب أحدَثَهُ. (نتيجة)
 وهذا الأمر في غاية الأهمية لتقييم ومحاكمة أي فكرة تُطرح في عالم الأفكار والقناعات والاعتقادات والفلسفات والأديان والمذاهب التي تدعي صحة نفسها وخطأ غيرها، لذلك فإن أي دعوى تطرح عليك في عالم الأفكار وتريد معرفة صوابها من خطئها بجديَّة، يُفضَّل أن تُصاغ على هيئة مقدمات ونتيجة، وذلك لأن صياغة الأفكار والادعاءات على هيئة قياسات منطقية يفيدنا بالتالي:
 
1- يوَضِّح للمُتلقي معالم الفكرة المدَّعاة وحدودها وغايتها، وما تقصد إثباته وما لا تقصد إثباته، وذلك لأن كثير من الأدلة التي تطرح قد لا يفهم غايتها ونهايتها إلا من خلال الصياغة الدقيقة لها، فعلى سبيل المثال: قد يتوهم بعض الناس أن: بما أن المسلمين يسجدون أمام الكعبة الشريفة = إذن فَهُم يعبدون الكعبة، في حين أن هذا محض اشتباه لأن المسلمين لا يعدّون الكعبة أكثر من قِبلة شريفة اختارها الله لتوجيه البدن إليها في توجيه بعض العبادات له -سبحانه-، ولا يُعظِّمونها إلا لتعظيم الله -سبحانه- لها، أما العبادة المقصودة فهي مصروفة لله  -سبحانه- الواحد الأحد، وفرقٌ بين التوجه البدني لشيء معيّن واتخاذه قبلة، وبين عبادة ذلك الشيء.
وهكذا قد يتم التوسع في الاعتقاد بدعاوى أخرى وربطها بدعوى معيَّنة اشتباهًا ووهمًا بسبب سوء فهم مضامينها، أو عدم التفريق بين المسائل الأخرى الشبيهة بها، أو تَوَهُّم ملازمات باطلة متعلقة بها، وغير ذلك.
 
2- ييسّر على المتلقي تقييمها ومحاكمتها بصورة دقيقة، لمعرفة صوابها من خطئها، وذلك من خلال التفصيل في كل مقدمة على حدة، وإشباع الكلام فيها أخذًا وردًا، للانتقال بعد ذلك للمقدمة التي تليها، فإذا كانت إحدى تلك المقدمات خاطئة أو غير متيقنة الصحة، فستكون النتيجة خاطئة أو غير متيقنة الصحة، لأن النتيجة تتبع أخس (=أضعف) المقدمات، وبهذه الطريقة يسهل تحديد مَحال النزاع بين المتخاصمين حول دعوى معيَّنة، فيقول الأول للآخر، على سبيل المثال: أنا أنازعك في مقدمة (أ) لا مقدمة (ب)، أو أنازعك بالمقدمتين (أ) و(ب) معًا، ثم يجري النقاش حول كل واحدة منها على حِدة ومن ثم ينتقل للتي بعدها، وهكذا.
 
إذا اتضح ذلك، نَشرع -بحول الله- في جواب السؤال فنقول: بغض النظر عن التفاصيل والتفريعات وتنوع طرق الاستدلال وتقسيماتها التي ذكرها المناطقة، يمكننا اختصار الكلام بالقول: يتوقف ضمان صحة الاستدلال على إحراز أمرين:
 
1- إحراز صحة صورة القياس: 
أي أن تكون مقدمات القياس مرتبة على ترتيب معيّن، ومنظمة على هيئة خاصة، ذُكرت هذه التراتيب والهيئات مفصَّلا في (مباحث الاستدلال) في علم المنطق، وتحديدًا مطلب (القياس) من طرق الاستدلال.
ولعدم مناسبة المقام للتطويل، فسوف نُمَثِّل في هذه المقالة فقط بالشكل الأول من القياس الاقتراني[3]، لأنه أهمها وأكثرها أُلفةً واستعمالا وأقربها إلى الذهن البشري، وسوف نذكر ضروبه الأربعة لكي يُتعرف عليها -أو يستذكرها الناظر-، ونترك التفاصيل إلى المطولات، وإليك ضروب الشكل الأول من القياس الاقتراني[4]:

الضرب الأول

مقدمة (1): كل ب م

مقدمة (2): وكل م ح

النتيجة: كل ب ح

مقدمة (1): كل خمر مسكر

مقدمة (2): وكل مسكر حرام

النتيجة: كل خمر حرام

الضرب الثاني

مقدمة (1): كل ب م

مقدمة (2): ولا م ح

النتيجة: لا ب ح

مقدمة (1): كل خمر مسكر

مقدمة (2): ولا مسكر نافع

النتيجة: لا خمر نافع

الضرب الثالث

مقدمة (1): بعض ب م

مقدمة (2): وكل م ح

النتيجة: بعض ب ح

مقدمة (1): بعض السائلين فقراء

مقدمة (2): وكل فقير يستحق الصدقة

النتيجة: بعض السائلين يستحقون الصدقة

الضرب الرابع

مقدمة (1): بعض ب م

مقدمة (2): ولا م ح

النتيجة: بعض ب ليس بـ ح

مقدمة (1): بعض السائلين أغنياء

مقدمة (2): ولا غني يستحق الصدقة

النتيجة: بعض السائلين لا يستحقون الصدقة

إذا اتضح ذلك، فنقول: إن مناشئ الخطأ في صورة القياس كلها تعود إلى عدم التدرّب على كيفية صياغة الاستدلالات وفقًا للترتيب المنطقي، فإن أتقنها الناظر واعتادها، فسوف يضمن -بإذن الله- عدم الخطأ في صياغة صورة القياس.
ومثال الخطأ في صورة القياس أن يقول أحدهم
-        السماء زرقاء اللون.
-        والسماء كبيرة جدا
-        إذن كل أزرق كبير!
 
فإن هذه القياس عبارة عن غلط في صورة القياس، فهو غير مترابط المقدمات، غير منسجم التركيب، ولذلك نشعر بوجود خطأ فيه مباشرةً فور قراءتنا له.
 
تنبيه: قد تتكون القياسات من أكثر من مقدمتين وأكثر من نتيجة، وذلك عندما يتم دمج أكثر من قياس في قياس واحد، كأن نقول:
-        ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
-        العالم لا يخلو من الحوادث.
-        إذن العالم حادث. (نتيجة 1)
-        ولكل حادث سبب.
-        إذن للعالم سبب. (نتيجة 2)
 
2- إحراز صحة مادة القياس:
أي إحراز صحَّة مضمون ومفاد كل مقدمة من المقدمات المستعملة في الاستدلال، وينبغي أن يُعلم هنا أن مناشئ الخطأ في مادة القياس كثيرة جدًا، وقد ذُكِر بعضها في باب صناعة المغالطة في كتب المنطق، كما أُلِّفت في ذلك كتب مستقلة تذكر أبرز الأخطاء المنطقية والعقلية في مضامين الاستدلالات التي يقع فيها الناس، وتدعى بكتب "المغالطات المنطقية[5].
ولضمان صحة مادة القياس يَلزم أن يكون القياس مندرجًا تحت إحدى هذه الصور الثلاث:
 
الأولى: أن يكون القياس مركبًا من مقدمات بدهية الإدراك (=أيّ: ضرورية التصديق لا تحتاج لاستدلال سابق لكي نتيقن من صحتها، وإنما يذعن الذهن بصحتها بمجرّد فهمها واستيعابها والالتفات لها)، ومثاله:
-        كل ظلم قبيح عقلا.(بدهية)
-        وكل مرتكب للقبيح مستحق للذم. (بدهية)
-        إذن: كل مرتكب للظلم مستحق للذم. (نتيجة)
 
الثانية: أو أن يكون مركبًا من مقدمات بدهية الإدراك، وأخرى نظرية ولكنها مثبتة الصحة برتبة سابقة (=ومعنى نظرية أيّ: تحتاج إلى استدلال ونظر وإثبات سابق على الاستدلال الحالي، ويجري على هذا الاستدلال السابق عين الكلام هنا تمامًا، إلى أن ترجع سلسلة الاستدلالات الحاوية لمقدمات نظرية إلى قضايا بدهية يذعن كل عاقل بمجرد فهمها واستيعابها والالتفات إليها من دون حاجة لاستدلال سابق عليها)، ومثاله:
-        العالم حادث (نظرية)
-        ولكل حادث سبب أحدثه (بدهية)
-        إذن: للعالم سبب أحدثه (نتيجة)
 
الثالثة: أو أن يكون مركبًا من مقدمات نظرية ولكنها مثبتة الصحة برتبة سابقة، ويجري عليها تمام ما ذكرناه أعلاه، إلى أن نرجع إلى قضايا بدهية لا تحتاج إلى استدلال سابق ليثبت صحتها، ومثاله:
-        إقامة المعجز دليل على نبوة من أتى به. (نظرية)
-        محمد (ص) أقام المعجز. (نظرية)
-        محمد (ص) نبي. (نتيجة)
 
وفذلكة الكلام أن يقال: كل قياس استدلالي يجب أن يرجع في نهاية المطاف إلى بدهيَّات -تسمى بالأوليات في علم المنطق- وهي ذاتية الصدق غنية عن الاستدلال الذي يثبتها، وسِمَتُها أن يذعن بها العاقل ويقر بها بمجرد عرضها على ذهنه وفهمه لها واستيعابه لخصوصياتها وتأمله في تطبيقاتها ووجدانيّتها في نفسه، فالقضايا البدهية هي قاعدة الهرم في كل الأفكار العقلية.
 
تنبيهات مهمة حول صياغة القياسات المنطقية
مضافا لما سبق، فإن هذه تنبيهات أساسية ينبغي أن يلتفت إليها طالب العلم لئلا يقع في أخطاء توهمه بصحة الاستدلال:
 
1- عدم التأمل الجاد في إحدى مقدمات الاستدلال: مما يؤدي لعدم التنبُّه لبطلانها في نفسها، ومن ثم الاعتقاد بصحة النتيجة الباطلة التي بنيت على تلك المقدمة الباطلة، وكل ذلك بسبب تقصير الناظر في التأمل بها والمحاكمة الدقيقة لها.
 
2- سوء تصور مفهوم أو مصطلح معين في مقدمات الاستدلال: كل استدلال يحتوي على مصطلحات معيّنة، كـ (حادث، عالم، نبوة، إعجاز، إمامة، حسن، قبيح، حق وحقوق، إنسانية، الخ ..) وينبغي على الناظر أن يفهم المراد منها بدقة ويطلب تعريفها لكي يُحكِم فهمه واستيعابه لها، ولا يحسن الظن بفهمه كثيرًا إذا شعر بعدم وضوح مفهوم معيّن ذكر في المقدمات، وينبغي عليه حينئذٍ الاستفصال عن كل كلمة ذكرت في الاستدلال لكي يضمن صحة استيعابه له.
 
3- عدم تطابق المفهوم الواحد المستعمل في المقدمات: بعض الاستدلالات قد يظنها الناظر برهانا صحيحًا في حين أنها مغالطة منطقيَّة محضة، وذلك بسبب عدم استعمال المصطلحات المذكورة في المقدمات في معنى واحد مُوَّحد، وإنما استعمل المصطلح بمعنيين مختلفين، كمن يستعمل مصطلح (العالم) في المقدمة الأولى ويعني به (العالم المادي المشهود) ثم يستعملها في المقدمة الثانية بمعنى (كل ما سوى الله الذي يشمل العالم المادي المشهود والغيبي)!، وذلك أن من شروط انتاج القياس أن تكون المصطلحات المتكررة فيه يراد بها معنى واحد.
 
4- عدم التدقيق في حدود نتيجة الاستدلال: كل نتيجة استدلالية لها غاية محددة، ومضامين محددة، ولوازم محددة، لا تتجاوزها إلى غيرها من الدعاوى التي لم تقصدها، وعليه فينبغي أن يدقق الناظر في غاية ما يثبته أي استدلال، لئلا تمرر عليه دعاوى خارجة عن محل الاستدلال المعني.
 
5- عدم التأمل في اللوازم الفاسدة لإحدى المقدمات والتي تكشف عن بطلانها: لكل دعوى لوازم عقلية معينة لا تنفك عنها، وبعضها لوازم قريبة وواضحة، وبعضها الآخر بعيد ويدرك بالتأمل والتفكير وبسعة الأفق وتكثير الأمثلة، وكلما فهم الإنسان لوازم مقالته ودعواه، اتضح له صوابها من خطئها.
 كما أن بعضها لوازم صحيحة، وبعضها لوازم موهومة غير صحيحة وإنما يتوهم أنها لازمة، في حين أن لا واقع لها، ومرجع التفريق بين اللازم الصحيح وغيره هو التأمل في نفس الدعوى ومفادها وحدوها.
 
----------
 
[1] حتى وإن كان مدرك هذا الاستدلال هو (الاستقراء) أو (التمثيل) الذيْن هما قسيما (القياس) تحت مقسم (طرق الاستدلال)، فإن من المعلوم أن أي استدلال حتى وإن لم يكن قياسًا منطقيًا يمكن إرجاعه إلى قياس منطقي.
[2] على تفصيل في كيفية ترتيبها.
[3] تعريف الشكل الأول من القياس الاقتراني هو: ما كان الحد الأوسط فيه محمولا في الصغرى، موضوعا في الكبرى، وليس هذا مقام تحليل التعريف.
[4] محمد رضا المظفر، المنطق، 214-217، دار التعارف.
[5] وهي كثيرة، نذكر منها: كتاب المغالطات المنطقية لعادل مصطفى وهو أهمها، ورجل القش ليوسف أبو حايك، والتفكير من الألف إلى الياء لـ نايجل واربرتون، وفن التفكير الواضح لـ رولف دولبي، حجج فاسدة تجعلنا نبدو أغبياء لـ جوليان باجيني وغيرها، وينبغي أن يُتنبه أن هذه الكتب نفسها قد تكون محل نظر، فهي ليست معصومة في كل ماتدعيه من مغالطات، وقد تخطئ في بعض المطالب والأمثلة، فليُتنبه لذلك.
شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا