هذا الاصطلاح يُذكر في علم الكلام عند البحث عن صفات الله -سبحانه وتعالى-، فيبحث المتكلمون عن ثبوت هذه الصفة لله -سبحانه-، وعن كونها حادثة أو قديمة، وعن حقيقة الكلام المنسوب لله -سبحانه-، والأشاعرة يثبتون لله -سبحانه وتعالى- نوعا من الكلام -حسب ادعائهم- يسمونه بالكلام النفسي في قبال الكلام اللفظي، ويريدون بالكلام النفسي المعاني القائمة بالنفس التي تدل عليها الألفاظ.
قال الشريف الجرجاني: "(وهذا) الذي قالته المعتزلة (لا ننكره) نحن، بل نقول به ونسميه كلاما لفظيا، ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته -تعالى- (لكنا نثبت أمرا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس) الذي يُعبّر عنه بالألفاظ، ونقول: هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته -تعالى-، فتُمنع صغرى القياس الثاني، (ونزعم أنه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام) ولا يختلف ذلك المعنى النفسي، (بل) نقول: أوليس تنحصر الدلالة عليه في الألفاظ؟ إذ (قد يُدل عليه بالإشارة والكتابة كما يُدل عليه بالعبارة والطلب)، الذي هو معنى قائم بالنفس (واحد لا يتغير) مع تغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات، (وغير المتغير غير المتغير)، أي ما هو ليس متغيرا -وهو المعنى النفسي- مغاير للمتغير الذي هو العبارات" [1]
والكلام النفسي -عندهم- ليس مختصا بالله -سبحانه-، فيتصف به كل متكلم، كما أنه -بحسب زعمهم- مغاير للعلم والقدرة.
قال الغزالي: "ولكنا نقول: الإنسان يسمى متكلماً باعتبارين، أحدهما بالصوت والحرف والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت وحرف، وذلك كمال، وهو في حق الله تعالى غير محال، ولا هو دال على الحدوث. ونحن لا نثبت في حق الله -تعالى- إلا كلام النفس، وكلام النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان زائداً على القدرة والصوت حتى يقول الانسان زوّرت البارحة في نفسي كلاماً، ويقال: في نفس فلان كلام، وهو يريد أن ينطق به " [2]
وقال: "فإن قيل: كلام النفس بهذا التأويل معترف به، ولكنه ليس خارجاً عن العلوم والإدراكات وليس جنساً برأسه البتة، ولكن ما يسميه الناس كلام النفس وحديث النفس هو العلم بنظم الألفاظ والعبارات، وتأليف المعاني المعلومة على وجه مخصوص، فليس في القلب إلا معاني معلومة، وهي العلوم وألفاظ مسموعة هي معلومة بالسماع، وهو أيضاً علم معلوم اللفظ. وينضاف إليه تأليف المعاني والألفاظ على ترتيب. وذلك فعل يسمى فكراً وتسميه القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة مفكرة. فإن أثبتم في النفس شيئاً سوى نفس الفكر الذي هو ترتيب الألفاظ والمعاني وتأليفها، وسوى القوة المفكرة التي هي قدرة عليا وسوى العلم بالمعاني مفترقها ومجموعها، وسوى العلم بالألفاظ المرتبة من الحروف مفترقها ومجموعها فقد أثبتم أمراً منكراً لا نعرفه. وإيضاحه أن الكلام إما أمر أو نهي أو خبر أو استخبار.
أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر، فمن علم الشيء وعلم اللفظ الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلاً فإنه معنى معلوم يُدرك بالحس، ولفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد والراء والباء الذي وضعته العرب للدلالة على المعنى المحسوس وهي معرفة أخرى، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات بلسانه، وكانت له إرادة للدلالة وإرادة لاكتساب اللفظ، ثم منه قوله ضرب ولم يفتقر إلى أمر زائد على هذه الأمور. فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدّر نفيه، ويتم مع ذلك قولك: ضرب، ويكون خبراً وكلاماً، وأما الاستخبار فهو دلالة على أن في النفس طلب معرفة، وأما الأمر فهو دلالة على أن في النفس طلب فعل المأمور، وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام من الكلام، ولا يعقل أمر آخر خارج عن هذا وهذه الجملة، فبعضها محال عليه كالأصوات وبعضها موجود لله كالإرادة والعلم والقدرة، وأما ما عدا هذا فغير مفهوم.
والجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة ولنذكره في قسم واحد من أقسام الكلام وهو الأمر حتى لا يطول الكلام." [3]
والكلام النفسي باطل، وقد رددنا على هذه النظرية في موضع آخر، فراجع.
----------
[1] الشريف الجرجاني – شرح المواقف، ج3، ص 79.
[2] أبو حامد الغزالي – الاقتصاد في الاعتقاد، ص 68.
[3] م.س ص 69.