image
ما هي قاعدة نفي التنفير؟

هي قاعدة يُستدل بها في علم الكلام على عصمة الأنبياء والأئمة -عليهم السلام- من الذنوب مطلقا، قبل النبوة وبعدها، صغيرها وكبيرها.

والمراد بالتنفير أن سكون النفس إلى من يجوز أن يصدر عنه المنفّر ليس كسكونها إلى من لا يصدر عنه المنفّر، والمرجع في كون الشيء منفّرا العادة.

وتقرير الدليل ضمن مرحلتين:

الأولى: وجوب رفع المنفّرات

إن قبول قول الأنبياء والأئمة -عليهم السلام- داخل في غرض بعثهم -عليهم السلام-، والله -سبحانه- لا ينقض غرضه، فيثبت أن الله -عز وجل- متكفّل لرفع كل منفّر عن النبي والإمام.

الثانية: ارتكاب الذنوب منفّر مطلقا

ارتكاب الكبائر والصغائر قبل تولي المنصب الإلهي وبعده منفّر وإن تفاوتت درجة التنفير، فلا ريب في أن نفوسنا لا تسكن إلى من يرتكب الصغائر كسكونها إلى من لا يرتكبها، وكذا الحال فيمن يرتكبها قبل المنصب الإلهي بالنسبة لمن لا يرتكبها قبله.

فيثبت بمقتضى هاتين المرحلتين لزوم كون النبي والإمام معصومين قبل وبعد المنصب، ومن الصغائر والكبائر مطلقا.[1]

 

قال السيد المرتضى -رحمه الله- " فأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله وسائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها، من حيث كان دالا على وجوب اتباع الرسول وتصديقه فيما يؤديه، وقبوله منه، لأن الغرض في بعثة الأنبياء عليهم السلام، تصديقهم بالأعلام، المعجز هو أن يمتثل ما يأتون به، فما قدح في الامتثال والقبول وأثر فيهما، يجب أن يمنع المعجز منه، فلهذا قلنا: إنه يدل على نفي الكذب والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة، وفي الأول يدل بنفسه، فإن قيل: لم يبق إلا أن تدلوا على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من القبول والامتثال، قلنا: لا شبهة في أن من نجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه الإقدام على الذنوب، لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك، وهذا هو معنى قولنا إن وقوع الكبائر منفر عن القبول، والمرجع فيما ينفر وما لا ينفر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والقياس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه، وأنه من أقوى ما ينفر عن قبول القول، فإن حظ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حد السخف والمجون والخلاعة ولم ينقص منه.

فإن قيل: أوليس قد جوز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرعوه من الشرايع، وهذا ينقض قولكم إن الكبائر منفرة.

قلنا: هذا سؤال من لا يفهم ما أوردناه، لأنا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق، وألا يقع امتثال الأمر جملة. وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه، وإنا مع تجويز الكبائر نكون أبعد من قبول القول. كما إنا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى قبول القول.

وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده، ألا ترى أن عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه منفر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول، ولا يخرجه من أن يكون منفرا، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه ولا يخرجه من أن يكون مقربا، فدل على أن المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه، فإن قيل: فهذا يقتضي أن الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين أنها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير.

قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما، لا يكون حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب، وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا، وفي نفوسنا كحال من لم نعهد منه إلا النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور، ولهذا كثيرا ما يعير الناس. وخرج من استحقاق العقاب بها لا نسكن إلى قبول قوله، كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه. ولهذا من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها، ويجعلون ذلك عيبا ونقصا وقادحا ومؤثرا.

وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا عن تجويزها في حال النبوة، وناقصا عن رتبته في باب التنفير، وجب ألا يكون فيه شيء من التنفير، لأن الشيئين قد يشتركان في التنفير، وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه. ألا ترى أن كثير السخف والمجون والاستمرار عليهما والانهماك فيهما منفر لا محالة، وأن القليل من السخف الذي لا يقع إلا في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا، وإن فارق الأول في قوة النفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه. فإن قيل: فمن أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على الأنبياء في حال النبوة وقبلها؟

قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمل، لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها واقلع عنها ولم يبق معه شئ من استحقاق عقابها وذمها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك. وكذلك نعلم أن من يجوز عليه الصغائر من الأنبياء (ع) أن يكون مقدما على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو قبلها، وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شيء منها. فأما الاعتذار في تجويز الصغائر بأن العقاب والذم عنها ساقطان فليس بشيء، لأنه لا معتبر في باب التنفير بالذم والعقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما، ألا ترى أن كثيرا من المباحات منفر ولا ذم عليه ولا عقاب وكثيرا من الخلق والهيئات منفر وهو خارج عن باب الذم. على أن هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل البعثة، لأن التوبة والاقلاع قد أزالا الذم والعقاب اللذين يقف التنفير على هذا القول عليهما. "[2]

 

وهذه القاعدة تبتني على وجوب اللطف، فالكلام في قيمتها وحجيتها يبتني على تحقيق قاعدة اللطف، وهذا لا يعني عدم إمكان تحقيق المسألة على مبانٍ أخرى، ولكن هذا هو المتعارف.

 

----------

 

[1] مستفاد من حواشي تلخيص الشافي.

[2] تنزيه الأنبياء - الشريف المرتضى - الصفحة ١٧

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا