image
هل كان يعتقد أصحاب الأئمة ع بعصمتهم؟

لا إشكال في أنّ عصمة الأئمة -عليهم السلام- كانت من الأمور الواضحة والمرتكزة لدى أصحابهم، ويدل على ذلك أمور، منها:

الأمر الأول: أخذ الأصحاب عن الأئمة -عليهم السلام- لا لكونهم مجرد واسطة عن النبي -صلى الله عليه وآله-

الذي يتابع كتب الحديث يلاحظ بشكل واضح أنّ أصحاب الأئمة -عليهم السلام- يعتمدون على قول الإمام -عليه السلام- بنفسه وإن لم يُسنِد قوله إلى النبي -صلى الله عليه وآله-، وهذا يدل على اعتقادهم بعصمة الإمام -عليه السلام-، لا أنّ الإمام -عليه السلام- مجرد ناقل عن النبي -صلى الله عليه وآله-.

بينما من يلاحظ روايات غير الإمامية عن الأئمة -عليه السلام- يلاحظ أنّهم إذا رووا عن الأئمة -عليهم السلام- يروون عنهم بما هم واسطة عن النبي -صلى الله عليه وآله-، فمن يلاحظ روايات السكوني -مثلاً- عن الإمام الصادق -عليه السلام- يجد أنّه يروي عن الإمام -عليه السلام- عن آبائه عن النبي -صلى الله عليه وآله-.

الأمر الثاني: طريقة تعامل الأصحاب مع أفعال الأئمة -عليهم السلام-

فإنّ الأصحاب كانوا يتعاملون مع فعل الإمام -عليه السلام- على أنّه كاشف عن الحكم الشرعي، وهذا لا ينسجم إلا مع اعتقادهم بعصمة الإمام -عليه السلام-.

ومن أمثلة ذلك ما رواه الصدوق بسند موثق "حدثنا محمد بن الحسن -رحمه الله-، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن بكير، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: لاحاني[1] زرارة بن أعين في نتف الإبط وحلقه، فقلت: نتفه أفضل من حلقه، وطليه أفضل منهما جميعا، فأتينا باب أبي عبد الله –عليه السلام-، فطلبنا الإذن عليه، فقيل لنا: هو في الحمام، فذهبنا إلى الحمام، فخرج –صلوات الله عليه- علينا وقد اطّلى إبطه، فقلت لزرارة: يكفيك؟ قال: لا، لعلّه إنما فَعَلَه لعلة به، فقال: فيما أتيتما؟ فقلت: لاحاني زرارة بن أعين في نتف الإبط وحلقه، فقلتُ: نتفه أفضل من حلقه، وطليه أفضل منهما، فقال: أما إنك أصبت السنة وأخطأها زرارة، أما إن نتفه أفضل من حلقه، وطليه أفضل منهما، ثم قال لنا: اطّليا، فقلنا: ..."[2].

فلاحظ كيف أنّ ابن أبي يعفور احتج على زرارة بفعل الإمام -عليه السلام-، وزرارة لم ينكر عليه ذلك وإنما احتمل أنّ الإمام فعل ذلك لظروف خاصة.

ومن ذلك ما رواه الشيخ بسند صحيح "أحمد بن محمد، عن الحسين، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله ع عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها؟ قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له أزرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار، فكأنه عرف ما أريد، فخرج فيها إلى الجمعة"[3].

ومما يدل على ذلك أيضا ما رواه الكليني بسند صحيح "علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يوما: يا حماد، تحسن أن تصلي؟ قال: فقلت: يا سيدي، أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، فقال: لا عليك يا حماد، قم، فصل، قال: فقمت بين يديه متوجها إلى القبلة، فاستفتحت الصلاة، فركعت وسجدت، فقال: يا حماد، لاتحسن أن تصلي، ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة، أو سبعون سنة، فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة! قال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك، فعلمني الصلاة.

فقام أبو عبد الله عليه السلام مستقبل القبلة منتصبا، فأرسل يديه جميعا على فخذيه، قد ضم أصابعه، وقرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات، واستقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة، لم يحرفهما عن القبلة، وقال بخشوع: الله أكبر ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو الله أحد ثم صبر هنيهة بقدر ما يتنفس وهو قائم، ثم رفع يديه حيال وجهه، وقال: الله أكبر، وهو قائم.

ثم ركع، وملأ كفيه من ركبتيه منفرجات، ورد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن، لم تزل؛ لاستواء ظهره، ومد عنقه، وغمض عينيه، ثم سبح ثلاثا بترتيل، فقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام، قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه.

ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه، فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات، ولم يضع شيئا من جسده على شي‏ء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الكفين، والركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والجبهة، والأنف، وقال: سبعة منها فرض يسجد عليها، وهي التي ذكرها الله في كتابه، فقال: "وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا" وهي: الجبهة، والكفان، والركبتان، والإبهامان؛ ووضع الأنف على الأرض سنة.

ثم رفع رأسه من السجود، فلما استوى جالسا، قال: الله أكبر، ثم قعد على‏ فخذه الأيسر، وقد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر، وقال: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس، وسجد السجدة الثانية، وقال كما قال في الأولى، ولم يضع شيئا من بدنه على شي‏ء منه في ركوع ولاسجود، وكان مجنحا، ولم يضع ذراعيه على الأرض.

فصلى ركعتين على هذا ويداه مضمومتا الأصابع وهو جالس في التشهد، فلما فرغ من التشهد، سلم، فقال: يا حماد، هكذا صل"[4].

فلاحظ مدى دقة حماد في ملاحظة أفعال الإمام -عليه السلام-، وهذا التدقيق لا يتناسب إلا مع اعتقاد حماد بعصمة الإمام -عليه السلام-.

الأمر الثالث: تصريح الأصحاب باعتقادهم بعصمة الأئمة -عليهم السلام-

وروى الكليني بسند صحيح "عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد الله –عليه السلام- عن قول الله -عز وجل- وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" أرأيت ما أصاب عليا وأهل بيته –عليهم السلام- من بعده هو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون؟! فقال: إن رسول الله –صلى الله عليه وآله- كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب، إن الله يخص أولياءه بالمصائب لِيَأْجُرَهُم عليها من غير ذنب"[5].

روى الصدوق بسند جيد "حدثنا محمد بن علي ماجيلويه -رحمه الله-، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام -عليه السلام-، فإني سألتُه يوماً عن الإمام، أهو معصوم؟ فقال: نعم، فقلتُ: فما صفة العصمة فيه؟ وبأيّ شيء تُعرف؟ فقال: إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه، ولا خامس لها: الحرص، والحسد، والغضب، والشهوة.

فهذه منفية عنه، لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا، وهي تحت خاتمه، لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟!

ولا يجوز أن يكون حسودا؛ لأنّ الإنسان إنما يحسد من فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟!

ولا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدنيا، إلا أن يكون غضبه لله -عز وجل-، فإن الله -عز وجل- قد فرض عليه إقامة الحدود، وألا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله -عز وجل-.

ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأن الله -عز وجل- حبَّب إليه الآخرة كما حبَّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا.

فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح، وطعاما طيّبا لطعام مُرّ، وثوبا ليِّنا لثوب خشن، ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟!"[6]

وليس في الخبر دلالة على عدم اعتقاد ابن أبي عمير بالعصمة؛ فإنّ السؤال عن شيء أعم من الجهل به كما لا يخفى، على أنّ السؤال عن صفة العصمة لا أصلها.

والحمد لله رب العالمين

 

----------


[1] الملاحاة: المخاصمة.

[2] محمد بن علي ابن بابويه القمي، علل الشرائع، ج1 ب220 ح1.

[3] محمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام، ج2 ص362.

[4] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج6 ص141 ح4978.

ورواه الصدوق في الفقيه ج1 ص300 ح915 والأمالي م46 ح13 بسند صحيح إلى حماد، ورواه الشيخ في التهذيب ج2 ص81 عن الكليني.

[5] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج4 ص261 ح3013.

ورواه الصدوق في معاني الأخبار باب نوادر المعاني ح15 "حدثنا أبي -رحمه الله-، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، قال: ..."‏، وجاء فيما يُسمى بتفسير القمي ج2 ص277 "فحدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، قال: ...".

[6] محمد بن علي ابن بابويه القمي، معاني الأخبار، ص133؛ علل الشرائع، ب155 ح2؛ الأمالي، م92 ح5؛ الخصال، باب الأربعة ح36.

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا