يدور في الألسنة أن الشيعة لا يهتمون بروايات النبي - صلى الله عليه وآله-، فجُل اهتمامهم منصب على ما رووه عن أهل البيت -عليهم السلام-، لا سيما عن الإمامين الباقر والصادق -عليهما السلام-، فلِم أهمل الشيعة الرواية عن النبي - صلى الله عليه وآله- ولم يهتموا بها؟
ولنا على هذا الكلام عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: عدم التسليم بالدعوى
دعوى عدم رواية شيعة أهل البيت -عليهم السلام- لأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وآله- غير صحيحة، فمَن من يراجع كتب الحديث الشيعية سيجد أن رواية أقوال النبي -صلى الله عليه وآله- وأفعاله وسننه حاضرة في طيات الكتب، وهي على صور:
الصورة الأولى: الرواية عن النبي بسند متصل
مثال: روى الشيخ الصدوق في الخصال بسند صحيح: "حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و يعقوب بن يزيد جميعا عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما رجع رسول الله ص من حجة الوداع ..."، ثم ذكر حادثة الغدير، ثم نقل تصحيح الإمام الباقر -عليه السلام- للخبر: " قال معروف بن خربوذ فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر ع فقال صدق أبو الطفيل رحمه الله هذا الكلام وجدناه في كتاب علي ع و عرفناه"[1]، وللخبر أسانيد آخر ذكرها في ذيل الحديث.
إذن فمن غير المسلَّم عدم رواية الشيعة لأخبار النبي (ص) بسند متصل إليه، إلا أننا في غنى عن هذه الأسانيد المتصلة لما سيأتي في الصورة الثانية والثالثة.
الصورة الثانية: نقل الأئمة أقوال النبي وأفعاله
يكثر نقل الأئمة -عليهم السلام- لأقوال النبي -صلى الله عليه وآله- وأفعاله، ففي أول باب من أبواب كتاب الكافي للشيخ الكلنيي -وهو كتاب العقل والجهل- خمسة أحاديث مروية عن النبي -صلى الله عليه وآله-، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، نذكر منها ثلاثة:
المثال الأول: رواية ألفاظ النبي -صلى الله عليه وآله-
روى الشيخ الكليني بسند صحيح: "علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ع قال قال رسول الله ص إن الله عز و جل يقول تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري".[2]
المثال الثاني: رواية أفعال النبي -صلى الله عليه وآله-
روى الشيخ الكليني بسند صحيح: "علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عثمان عن أبي بصير عن أبي عبد الله ع قال: لما عرج برسول الله ص انتهى به جبرئيل إلى مكان فخلى عنه فقال له يا جبرئيل تخليني على هذه الحالة فقال امضه فو الله لقد وطئت مكانا ما وطئه بشر و ما مشى فيه بشر قبلك"[3].
المثال الثالث: رواية سنة النبي -صلى الله عليه وآله-
روى الشيخ الكليني بسند جيد: "محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر ع رجل نسي القنوت فذكره و هو في بعض الطريق فقال يستقبل القبلة ثم ليقله ثم قال إني لأكره للرجل أن يرغب عن سنة رسول الله ص أو يدعها"[4].
ملاحظة:
وقد يقول قائل إن هذه الأحاديث مرسلة؛ حيث إن الإمام الباقر والصادق -عليهما السلام- لم يدركا النبي -صلى الله عليه وآله-، والجواب عليه أننا نعتقد بعصمة أئمة أهل البيت -عليهم السلام-، وما ينسبوه إلى النبي -صلى الله عليهم وآله- قطعي لا شك فيه، ولا حاجة لئن يخبرنا بسنده إلى النبي -صلى الله عليه وآله-، على أننا نعلم اتصاله بالنبي عن طريق آبائه المعصومين -على نبينا وعليهم أفضل التحية والسلام-.
وهم أنفسهم صرحوا بذلك، فقد روى الشيخ الصفار في البصائر بسند صحيح: "حدثنا عبد الله بن عامر عن عبد الله بن محمد الحجال عن داود بن أبي يزيد الأحول عن أبي عبد الله ع قال سمعته يقول إنا لو كنا نفتي الناس برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنها آثار من رسول الله ص أصل [و أصول] علم نتوارثها كابر عن كابر نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم و فضتهم"[5].
وروى الشيخ الكليني بسند صحيح:"علي عن محمد بن عيسى عن يونس عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله ع عن مسألة فأجابه فيها فقال الرجل أ رأيت إن كان كذا و كذا ما يكون القول فيها فقال له مه ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله ص لسنا من أ رأيت في شيء"[6].
بل إن نقل الإمام عن النبي أفضل من نقل غيره -ولو كان مباشرا- من عدة نواح، منها: أن نقله للرواية أدق وأضبط؛ لعصمته، ومنها أن الإمام مطلع على القرائن المحيطة بالرواية ومطلع على تفسيرها، وبالتالي فإنه حينما يوردها سيطبقها في المورد الصحيح المناسب، ولن يقتطع نص الرواية بما يؤدي إلى الإخلال بمعناها.
وستأتي بعض الشواهد على هذا في الملاحظة الثانية إن شاء الله.
الصورة الثالثة: اعتبار قول الإمام قول النبي
تارة يصرح الإمام بأن ما ينقله لفظ كلام النبي -صلى الله عليه وآله -، كما في الصورة السابقة، وتارة لا يصرح بذلك، بل يلقي الكلام ابتداء، أو يجيب عن السؤال بلا تصريح متصل بنسبته إلى النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهذا القسم الثاني مما يعد من كلام رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، لا نصَّا ولكن مضمونا، بمعنى أن مضامين هذه الألفاظ منسوبة إلى النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله-، ويدل على هذا المعنى الحديثان الأخيران، إذ مفادهما أن جميع ما يقوله الإمام ليس من عنده، بل هي أصول علم أخذها من أجداده عن رسول الله -صلى الله عليه وآله-.
ويؤيده كذلك ما رواه الشيخ الكليني بسنده: "علي بن محمد عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن هشام بن سالم و حماد بن عثمان و غيره قالوا سمعنا أبا عبد الله ع يقول حديثي حديث أبي و حديث أبي حديث جدي و حديث جدي حديث الحسين و حديث الحسين حديث الحسن و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين ع و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ص و حديث رسول الله قول الله عز و جل"[7].
الخلاصة: الاهتمام بحديث النبي -صلى الله عليه وآله- كما يكون بروايته عنه بالأسانيد المتصلة إليه كذلك يكون بالأسانيد المتصلة بالأئمة -عليهم السلام-، وهم -عليهم السلام- ينقلون كلام النبي وفعله وسنته على أتم وجه، بل إن الأخذ بمطلق ما يروى عن الأئمة -عليهم السلام- هو في المآل أخذ بكلامه -صلة الله عليه وآله-، وهذا هو ما صنعه شيعة أهل البيت -عليهم السلام-.
الملاحظة الثانية: دور أئمة أهل البيت في فهم روايات النبي (ص)
لا يخفى أن الأخذ والعمل بروايات النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله- لا بد أن يكون بدقة وحذر، فقد كُذب على رسول الله -صلى الله عليه وآله-، ثم إن ما صح عنه لا بد أن يفهم بطريقة صحيحة، وأن لا يوضع في غير موضعه، روي عن الصادقِين -عليهم السلام-: "حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه"[8]، من هنا جاءت روايات أهل البيت مقومة لهذين الأمرين:
الأمر الأول: تكذيب ما روي من الأحاديث المكذوبة.
روى الشيخ الكليني بسند موثق: "محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله ع عن الغناء و قلت إنهم يزعمون أن رسول الله ص رخص في أن يقال جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحيكم فقال كذبوا إن الله عز و جل يقول- و ما خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون ثم قال ويل لفلان مما يصف رجل لم يحضر المجلس"[9].
الأمر الثاني: تقويم الفهم الخاطئ للأخبار
روى الشيخ الصدوق في التوحيد بسنده: "حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رحمه الله قال حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا ع يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله ص قال إن الله خلق آدم على صورته فقال قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله ص مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه قبح الله وجهك و وجه من يشبهك فقال ص يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فإن الله عز و جل خلق آدم على صورته "[10].
ورورى الشيخ الكليني بسند فيه ضعف: "محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن سالم بن مكرم عن سعد الإسكاف قال: سئل أبو جعفر ع عن القرامل التي تضعها النساء في رءوسهن يصلنه بشعورهن فقال لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها قال فقلت له بلغنا أن رسول الله ص لعن الواصلة و الموصولة فقال ليس هناك إنما لعن رسول الله ص الواصلة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة و الموصولة"[11].
الملاحظة الثالثة: الاهتمام لا يتم إلا بالعمل
لا يخفى أن الاهتمام بحديث شخص لا يتم إلا إذا ما عمل الإنسان بتلك الروايات، فمن يحفظ كلام رسول الله -صلى الله عليه وآله- في صدره ولا يعمل بمضمونه لا يعد مهتما بكلامه - صلى الله عليه وآله-، وهو نظير ما ورد في القرآن عنه -صلى الله عليه وآله-: "رب تال للقرآن و القرآن يلعنه"[12].
ومما روي عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- بالطرق المتواترة حديث الثقلين، الذي يوصي بالتمسك بأهل البيت -عليهم السلام-، ولا نجد من عمل بهذا الحديث سوى شيعة أهل البيت -عليهم السلام-؛ إذ تمسكوا بالأئمة من أهل البيت -عليهم السلام- وأخذوا دينهم عنهم، وأما سواهم من الناس، فهم وإن رووا أحاديث النبي (ص) فإنهم لم يطيعوه في هذا الحديث المتواتر، والحمد لله رب العالمين.
----------
[1] الشيخ الصدوق، الخصال، ج١، ص٦٥.
[2] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج١، ص٤٠.
[3] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج١، ص٤٤٢.
[4] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج٣، ص٣٤٠.
[5] محمد بن الحسن الصفار، بصائر الدرجات، ج٦، ب١٤، ح٣.
[6] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج١، ص٥٨.
[7] محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج١، ص٥٣.
[8] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص٢.
[9] محمد بن يعقوب الكليني، الکافي ج٦، ص ٤٣٣.
لاحظ كذلك ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال بسند صحيح: " حدثنا أبي رضي الله عنه قال حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن موسى بن القاسم البجلي عن علي بن جعفر قال: جاء رجل إلى أخي موسى بن جعفر ع فقال له جعلت فداك إني أريد الخروج فادع لي فقال و متى تخرج قال يوم الإثنين فقال له و لم تخرج يوم الإثنين قال أطلب فيه البركة لأن رسول الله ص ولد يوم الإثنين فقال كذبوا ولد رسول الله ص يوم الجمعة و ما من يوم أعظم شؤما من يوم الإثنين يوم مات فيه رسول الله ص و انقطع فيه وحي السماء و ظلمنا فيه حقنا أ لا أدلك على يوم سهل لين ألان الله لداود ع فيه الحديد فقال الرجل بلى جعلت فداك فقال اخرج يوم الثلاثاء." (الخصال، ج٢، ص٣٨٥)
[10] الشيخ الصدوق، التوحيد، باب ١٢، ح١١.
[11] محمد بن يعقوب الكليني، الکافي ج٥، ص ١١٩.
[12] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٨٩، ص٨٤