image
ما هي شبهة الآكل والمأكول؟ وما جوابها؟

تقرير الشبهة:

الإنسان كائن نامٍ، يتغذى على الحيوانات والنباتات، وتتبدل أجزاء بدنه، وبعد موته يتحول إلى تراب، ومن أجزائه المتحللة تنمو النباتات فتثمر، فيأكل ثمرها إنسان آخر، فينمو جسمه من أجزاء بدن إنسان آخر وهكذا، فالجزء الواحد صار جزءا مشتركا بين مجموعة من الناس، فعند المعاد إلى من يعود هذا الجزء؟ ويستحيل أن يكون جزءا لبدنين مختلفين.

وقبل الجواب أنبه أننا في مقام الجواب أننا لا نحتاج أكثر من إيراد احتمال ينسجم مع النصوص الشرعية ويرفع الاستحالة؛ لأن الإشكال إلى افتراض استحالة في المعتد الجسماني، وهي ترتفع ببيان عدم ثبوتها ولو ببيان احتمال آخر مغاير لتصوّر المستشكل.

 

أما الجواب على هذا الإشكال:

 فإن ظاهر النصوص الشرعية خلق جميع البشر من طين، وسنذكر بعضا منها رعاية للاختصار:

أما في القرآن الكريم:

قال -عز من قائل- "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ"[1].

وقال -سبحانه- "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ"[2].

وقال -جل وعلا- "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ"[3]

وقال -عز وجل- "فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ"[4].

وأما في الأحاديث الشريفة:

فروى الكليني "عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجال، عن ابن بكير، عن أبي منهال، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت أبا عبد الله -عليه السلام- يقول: إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله -عز وجل- ملكا، فأخذ من التربة التي يدفن فيها، فماثها  في النطفة، فلا يزال قلبه يحن إليها حتى يدفن فيها"[5].

روى الصدوق بسند جيد "أبي -رحمه الله-، قال: حدثني محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله -عليه السلام-، قال: سهام المواريث من ستة أسهم لا تزيد عليها، فقيل له: يا بن رسول الله، ولم صارت ستة أسهم؟ قال: لأن الانسان خلق من ستة أشياء، وهو قول الله -تعالى- "ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما"[6].

وهذه الطينة -بحسب الرواية- لا تبلى، وتبقى في القبر، ومنها يعاد خلق الإنسان، روى الكليني بسند موثق "محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله -عليه السلام-، قال: سئل عن الميت، يبلى جسده؟ قال: نعم، حتى لا يبقى له لحم ولا عظم، إلا طينته التي خُلِق منها؛ فإنها لا تبلى، تبقى في القبر مستديرة، حتى يخلق منها كما خلق أول مرة"[7].

لا يقال: هذه أخبار آحاد، ولا تفيد علما، فقد ذكرنا أنه يكفينا في الجواب إيراد الاحتمال، وعليه يمكن الحفاظ على المعاد الجسماني بالمعنى الذي ذهبنا إليه[8]، ولا يتجه الإشكال، فالحفاظ على الطينة الأصلية حفاظ على البدن الأصلي الدنيوي، ولا يخالف هذا النصوص الشرعية.

هذا، وقد أجاب العلامة الحلي على الإشكال، فقال "أن لكل مكلف أجزاء أصلية لا يمكن أن يصير جزءا من غيرها، بل يكون فواضل من غيره لو اغتذى بها، فإذا أعيدت جعلت أجزاء أصلية لما كانت أصلية له أولا في تلك الأجزاء، وهي التي تعاد، وهي باقية من أول العمر إلى آخره"[9].

وبعبارة أسهل، بدن الإنسان يتكون من أجزاء أصلية وأجزاء زائدة، فالجزء الأصلي لإنسان يكون زائدا بالنسبة لإنسان آخر، والجزء الزائد قد يكون أصليا بالنسبة لآخر، فلا يكون هناك جزء أصلي مشترك بين اثنين.

 

----------


[1] الحج: 5

[2] الروم: 20

[3] الأنعام: 2

[4] الصافات: 11

[5] الكليني  – الكافي ج 3 ص 203

[6] الصدوق – علل الشرائع ص 567

[7] الصدوق – من لا يحضره الفقيه ص 191

[8] راجع سؤال ( ما الدليل على المعاد الجسماني )

[9] العلامة الحلي – كشف المراد ص 381

شارك عبر الرابط شارك على الواتس اب شارك على X أنشرها على الفيسبوك شارك على تليغرام

هل لديك سؤال؟ اسألنا!

اسألنا