نقول أولاً: كلمة الاستِواء إذا تعدَّت بـ(على) تكون بمعنى الاستِقرار والتمكُّن من الشَّيء، فلاحظ قوله تعالى: (لِتَستَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذكُرُوا نِعمَةَ رَبِّكُم إذَا استَويتُم عَلَيهِ[1])، وأيضاً قوله تعالى: (فَإذَا استَويتَ أنتَ ومَن مَّعَكَ عَلَى الفُلكِ[2])، فالاستِواء في هذه الآيات بمعنى الاستِقرار والثّبات على الشَّيء،
وأمّا العرشُ فهو سَرير المَلِك.
ثانياً: المُراد من التَّعبير بالاستِواء على العَرش في الآياتِ الشَّريفة هي: الكِناية عن التَّدبيرِ ونُفوذ المَشيئة والإرادةِ في الخَلق، والدَّليلُ على كونهِ كنايةً يتَّضح بثلاثةِ نقاط:
النّقطة الأولى: الآياتُ -أعني آياتَ الاستِواء على العَرش- جاءَت في مورِد المَدح، ولا يَخفى أنّ مجرَّد الجلوسَ والاستِقرار على السَّرير لَيس ممّا يُمدَح عليهِ فاعِلُه، فهذا يَقتَضي أن يكونَ المُراد بهذه الجُمَل أمراً آخرَ يناسِب المَدح، فلا يُمكن أن يُراد من الآياتِ هذا المَعنى الحَقيقي.
النقطة الثانية: الاستِقرار على العَرش يلزمُهُ عُرفاً التسلُّط التّام للمَلِك على المَملكة وجرَيان المملكةِ على مُقتضى مشيئتِه وإرادتِه وتدبيرِه، فهذا لازمٌ عرفيٌّ لعُنوان الاستِواء على العَرش.
النقطة الثالثة: الآياتُ الشَّريفة التي وَرَد فيها الاستِواء على العَرش تَضمَّنت ما يُبيِّن مَعنى الاستِواء على العَرش بالصّورةِ التي ذَكَرناها بالنُّقطة الثّانِيَة، فلاحِظ قولَه تَعالى:
(إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يُغشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأمرِهِ ألاَ لَهُ الخَلقُ والأمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ[3]).
فجُملَة: (يُغشي اللّيلَ النَّهار...) جملةٌ مَفصولَةٌ جاءَت بعد الاستِواء على العَرشِ مِن غيرِ عَطفٍ، وهذا يُفيدُ كَمالَ الاتِّصالِ المُقتَضي للتَّفسير وبَيان اللَّوازمِ والآثارِ والخُصوصِيّات.
وكذلكَ الحالُ في قَولِهِ تَعالى: (إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يُدَبِّرُ الأمرَ مَا مِن شَفِيعٍ إلاَّ مِن بَعدِ إذنِهِ[4]).
ولاحِظ قولَهُ تَعالى: (هُو الّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرضِ ومَا يَخرُجُ مِنهَا ومَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء ومَا يَعرُجُ فِيهَا[5]) فعلمه بكل التفاصيل التي تحدث من شؤون التسلُّط التّامِّ على المَملكَة، فهو -عزّ وجلّ- مُحيطٌ بجميعِ تفاصيلِ الكون.
ومن خِلالِ هذه الأمورِ الثَّلاثَة يَتَحصَّل: أنَّ مَعنى الاستِواء على العَرشِ كِنايَةٌ عن التَّسلُّط التّام ونُفوذِ المَشيئةِ والإرادَةِ في تَمام الخَلق.
إن قُلتَ: إن كانَ هذا المَعنى هو المُراد فَلِمَ قالَ تَعالى: (ثمّ)؟ والحالُ أنّه -عزّ وجلّ- مُتَسلِّطٌ تَمامَ التّسلط على الكَونِ مُنذُ بِدايَة الأمر.
قُلتُ: عمليَّةُ التَّدبيرِ وظُهورُها وجريُها وقعَت بعدَ خلقِ السَّماوات والأرض، فلا مَعنى للتَّسلُّط على السّماوات والأرض قَبل وُجودِهِما، فالتّسلُّط على الشَّيءِ فَرعُ وجودِه، وأمّا قولُه تَعالى: (ثمّ) لا يَقتَضي وُجودَ فاصِلةٍ زمانِيةٍ طويلَة، بل غايَة ما يَقتَضيهِ هو التَّعاقُب الزَّمانيّ، ولا إشكالَ في ذلِك.
وأمّا تَفسيرُ البَعضِ للاستِواءِ على العَرش بِمَعنى الجُلوسِ المادّيّ الحَقيقِيّ فهذا مَعنىً رَديءٌ في اللُّغةِ ولا يَنبَغي أن يُصارَ إلَيه أو يَصدُرَ مِن عَرَبيٍّ عارِفٍ بِكَلامِ العَرَبِ وأساليبِهِم.
نَعم يَنبَغي التَّنبيهُ أنَّ الكِنايةَ لا تَستَلزِمُ عدمَ تحقُّقِ المَلزومِ وعدَمَ وقوعِه أو تحقُّقَهُ ووُقوعَهُ، بَل نَظرُ التَّعبيرِ الكِنائي للّازِم وَحدَه، فلا يَلزَمُ مِن حَملِ الآيَةِ على الكِنايَة انتِفاءُ المَلزومِ وعَدَمُ تَحقُّقِه -أعني الجُلوسَ المادّيّ الحَقيقِيّ- فالكِنايَةُ ساكِتَةٌ عن ذلِكَ وغَيرُ ناظِرةٍ لَه.
----------
[1] - (سورة الزخرف، الآية 13).
[2] - (سورة المؤمنون، الآية 28).
[3] - (سورة الأعراف، الآية 54).
[4] - (سورة يونس، الآية 3).
[5] - (سورة الحديد، الآية 4).